أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أُمّية ثقافية


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

أُمّية ثقافية

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

ثمة ظاهرة طريفة، ومؤلمة في الوقت نفسه، تستحق أن نتوقف عندها طويلًا، وهي ظاهرة تكاد تنتشر بين المثقفين أنفسهم: ينشر أحدهم نصًا أو مقالة في صحيفة أو مجلة أو على صفحات التواصل الاجتماعي، ثم يلتقيه صديقه، فيقول له: "شفت نصًّا إلك في الصحيفة الفلانية؟" أو: "شفت مقالة إلك بالمجلة؟"، ولا يقول له: "قرأت لك".

قد يبدو الفرق بين العبارتين بسيطًا، لكنه في الحقيقة يكشف عن مشكلة أكبر؛ فالكثير من الكتّاب يكتبون أكثر مما يقرأون، وإن قرأ بعضهم، فقراءته قد تكون عابرة وسطحية، لا تتجاوز تصفح العناوين أو المرور السريع على النصوص، وقد تكون قراءة للتسلية إن وجدت، لا قراءة واعية متأملة، تبحث عن المعنى وتكشف جماليات النص ومواطن القوة والضعف فيه.

لقد أصبح بعض المثقفين يكتفون بأن يكونوا منتجين للخطاب، دون أن يكونوا مستهلكين حقيقيين له. يكتبون، لكنهم لا يقرأون، ينشرون، لكنهم لا يتابعون ما ينشره الآخرون، يتحدثون عن الأدب، لكنهم لا يقرؤون الأدب إلا نادرًا، ويناقشون الكتابة والنقد، وهم بعيدون عن الكتب التي تصنع المعرفة وتطور الذائقة، وهذه مفارقة ثقافية لا تخلو من السخرية.

وقد تذكرت، وأنا أفكر في هذه الظاهرة، حوارًا طريفًا ورد في قصة محمود شقير "ما بعد شاكيرا"، بين الشخصية الرئيسة وإحدى الشخصيات، حين يقول: "رأيت مقالة لك في الصحيفة! قلت مصححًا: تقصد قصة! قال: أظنها قصة. نعم، نعم، قصة! وراح يستجمع شتات ذاكرته...".

المشهد يبدو ساخرًا، لكنه يلامس جوهر المشكلة: شخص يرى النص منشورًا، لكنه لم يقرأه، وكل ما يعرفه أنه "رأى" شيئًا يحمل اسم صديقه، وهنا يصبح الفرق بين الرؤية والقراءة كبيرًا جدًا، فأن ترى المقالة ليس أن تقرأها، وأن تعرف عنوان الكتاب ليس أن تعرف محتواه، وأن تضع "إعجابًا" على منشور ليس دليلًا على أنك قرأته، وأن تكتب تعليقًا من كلمتين لا يعني بالضرورة أنك دخلت إلى عالم النص.

لقد تحولت القراءة، في زمن السرعة، إلى عملية خاطفة تشبه المرور أمام واجهات المحلات: نرى كثيرًا، لكننا لا نتوقف طويلًا أمام شيء، ومشكلة القراءة لا تخص عامة الناس وحدهم، وإنما تمتد إلى النخب الثقافية نفسها، وهذا أكثر إيلامًا.

فحين يعزف الإنسان العادي عن القراءة، يمكن أن نجد له عشرات الأعذار؛ لكن ماذا نقول عن الكاتب الذي لا يقرأ؟ وعن الناقد الذي لا يتابع ما يستجد في الأدب؟ وعن المثقف الذي يكتفي بما قرأه قبل عشرين عامًا، ثم يواصل الحديث عن الثقافة وكأن الزمن توقف عند آخر كتاب قرأه؟

إن الكاتب الذي لا يقرأ يشبه الموسيقي الذي يرفض الاستماع إلى الموسيقى، فالكتابة ليست موهبة فحسب؛ إنها معرفة وتجربة وتراكم واحتكاك دائم بالنصوص والأفكار والأساليب، والكاتب الذي لا يقرأ سرعان ما يجف معجمه، وتضيق رؤيته، وتتكرر أفكاره، ويعيد إنتاج نفسه، وقد لا يكتشف أنه أصبح يكتب النص نفسه بأشكال مختلفة.

إن القراءة هي التي تمنح الكاتب القدرة على رؤية ما وراء النص، وتفتح أمامه أبوابًا جديدة في اللغة والفكر والأسلوب، أما تراجع القراءة في المجتمعات العربية، فله أسباب كثيرة، وقد قيل فيها الكثير، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد.

هناك الصعوبات الاقتصادية التي جعلت الكتاب بالنسبة إلى بعض الأسر سلعة مؤجلة أمام ضرورات الحياة، وهناك الحروب والاضطرابات السياسية والاجتماعية التي استنزفت الإنسان وأفقدته الاستقرار الذي تحتاج إليه القراءة، وهناك المدرسة التي لم تستطع دائمًا أن تجعل الكتاب صديقًا للطالب، فتحولت القراءة في بعض الأحيان إلى واجب مدرسي مرتبط بالامتحان، لا إلى متعة واكتشاف، وهناك الأسرة التي قد تشجع أبناءها على التفوق الدراسي، لكنها لا تشجعهم بالقدر نفسه على القراءة الحرة، وهناك التلفزيون والفضائيات، ثم الإنترنت، ثم الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، التي استحوذت على جزء كبير من وقت الإنسان وانتباهه، وهناك، قبل هذا كله وبعده، غياب مشروع عربي مستمر ومتكامل يجعل القراءة جزءًا من الحياة اليومية، لا مجرد شعار يرفع في مناسبات ثقافية عابرة.

فأين الخطط الوطنية طويلة الأمد لتشجيع القراءة؟ وأين التعاون الحقيقي بين وزارات الثقافة والتعليم والشباب، والجامعات والمدارس والمكتبات والمؤسسات الأهلية؟ وأين المشروع الذي يجعل الكتاب حاضرًا في البيت والمدرسة والجامعة والمقهى والشارع؟

ومن المفترض أن يكون طلبة المدارس والجامعات أكثر فئات المجتمع قراءة، لكننا نجد أن كثيرًا منهم يختصر علاقته بالكتاب في المناهج الدراسية، والمشكلة أن بعض هذه المناهج لا تدرب الطالب على السؤال والبحث، وإنما تدفعه إلى حفظ المادة بحثًا عن العلامة، فيتعلم الطالب كيف ينجح في الامتحان، لكنه لا يتعلم كيف يبحث عن المعرفة.

يحفظ الإجابة، لكنه لا يتعلم كيف يصنع السؤال، يقرأ ما هو مطلوب منه، ثم يغلق الكتاب بعد انتهاء الامتحان، وهكذا يتحول التعليم إلى عملية للحصول على العلامة، بدل أن يكون طريقًا لبناء العقل، ولذلك ليس غريبًا أن ينشأ لدينا جيل يعرف كيف يستخدم الهاتف لساعات طويلة، لكنه لا يستطيع أن يجلس نصف ساعة مع كتاب، يعرف أسماء مئات المشاهير، لكنه لا يعرف أسماء عدد من المفكرين والأدباء الذين صنعوا جانبًا من ثقافته، يتابع تفاصيل حياة الآخرين، لكنه لا يملك الوقت لقراءة كتاب يغير شيئًا في حياته، وهنا تكمن المأساة.

أما الأرقام المتعلقة بالقراءة في الوطن العربي، فهي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا، لا أن نمر عليها مرورًا عابرًا، لقد تداولت تقارير ومؤسسات عربية ودولية أرقامًا مختلفة عن معدلات القراءة لدى العرب، وبعضها قدم أرقامًا شديدة الانخفاض أثارت جدلًا حول منهجية القياس ودقتها. لكن، حتى لو اختلفنا حول الرقم، فإن الحقيقة التي لا تحتاج إلى إحصاء معقد هي أن القراءة الحرة والعميقة ليست في المكان الذي ينبغي أن تكون فيه في مجتمعاتنا، وهذا وحده كافٍ لإثارة القلق.

وقد أشارت تقارير نُسبت إلى مؤسسة الفكر العربي إلى فوارق كبيرة بين معدلات القراءة في العالم العربي وبعض المجتمعات الأوروبية، كما تداولت أرقام عن حجم إنتاج الكتب والترجمة في العالم العربي مقارنة ببعض الدول الأخرى.

وسواء أخذنا هذه الأرقام بحرفيتها أم تعاملنا معها بحذر، فإن السؤال الأهم ليس الرقم نفسه، وإنما ما الذي يكشف عنه. ماذا نقرأ؟ وماذا نترجم؟ وماذا ننتج من المعرفة؟ وما نصيب الكتاب من حياة المواطن اليومية؟

إن الأمة التي لا تقرأ لا تستطيع أن تظل حاضرة في عالم يتغير كل يوم. والمفارقة أن تاريخنا الثقافي نفسه يقدم لنا نموذجًا معاكسًا تمامًا، ففي العصر العباسي، وفي عهد الخليفة المأمون، ازدهرت حركة الترجمة والعلم، وارتبط اسم بيت الحكمة ببغداد، حيث اجتمع العلماء والمترجمون والنسّاخ، ونُقلت علوم وفلسفات ومعارف من لغات متعددة إلى العربية.

لم يكن العرب آنذاك يخافون من الكتاب الأجنبي، ولم ينظروا إلى المعرفة القادمة من خارج حدودهم باعتبارها تهديدًا، وإنما تعاملوا معها بوصفها مادة للفهم والنقد والإضافة. ترجموا، وناقشوا، واختلفوا، وأضافوا، ثم لم يكتفوا بالنقل، وإنما أنتجوا معرفة جديدة في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة وغيرها.

كان الكتاب يومها جسرًا إلى العالم، فماذا حدث لنا؟ كيف انتقلنا من أمة كانت تترجم وتناقش وتضيف، إلى أمة يقرأ بعض مثقفيها عناوين الكتب أكثر مما يقرأون الكتب نفسها؟ كيف تحول الكتاب من ضرورة إلى كماليات؟ وكيف أصبح الكاتب أحيانًا ينتظر أن يقرأ الآخرون كتابه، بينما لا يجد الوقت لقراءة كتب الآخرين؟

إنها أسئلة مؤلمة، لكنها ضرورية، والأخطر من أمية القراءة هو ما يمكن أن نسميه الأمية الثقافية، فالأمية الثقافية ليست أن الإنسان لا يحمل شهادة، وإنما أن يعيش في عالم مليء بالمعلومات، ولا يملك أدوات التمييز بينها، أن يكون قادرًا على استخدام الهاتف، لكنه عاجز عن التحقق من معلومة، أن يقرأ عشرات المنشورات يوميًا، لكنه لا يستطيع أن يميز بين المعرفة والخرافة، أن يتابع مئات المقاطع، لكنه لا يمتلك موقفًا نقديًا مما يشاهده، وهنا يصبح الفراغ الثقافي خطرًا حقيقيًا.

فالإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا في فراغ فكري؛ فإذا لم يجد المعرفة التي تبني وعيه، فقد يجد من يملأ هذا الفراغ بالأوهام والخرافات ونظريات المؤامرة والخطابات المتطرفة، ولهذا فإن ضعف القراءة ليس قضية ثقافية فقط، وإنما قضية اجتماعية وأمنية وإنسانية أيضًا.

الشاب الذي لا يجد كتابًا يفتح أمامه نافذة على العالم قد يجد في خطاب الكراهية ما يمنحه تفسيرًا سهلًا للحياة، والذي لا يمتلك التفكير النقدي قد يصبح فريسة سهلة لمن يبيعون له الوهم، والذي لا يعرف الاختلاف والحوار قد يجد في العنف وسيلة لحسم خلافه مع الآخر.

ومن هنا فإن مواجهة التطرف لا تبدأ دائمًا من السجون والمحاكم والإجراءات الأمنية، وإنما قد تبدأ من المدرسة والمكتبة والكتاب.

نحن بحاجة إلى مشروع حقيقي للقراءة، لا إلى أسبوع للقراءة ينتهي بانتهاء الاحتفال. نحتاج إلى أن تصبح المكتبة جزءًا من المدرسة، والكتاب جزءًا من حياة الطالب، والقراءة جزءًا من الأسرة، نحتاج إلى مكتبات عامة حقيقية، وأسعار كتب يمكن للناس تحملها، وبرامج مستمرة لتشجيع القراءة، ومسابقات جادة، ومناهج تحفز على البحث لا الحفظ، وإعلام يفتح مساحة أكبر للكتاب والثقافة، ونحتاج، قبل ذلك كله، إلى أن يستعيد المثقف نفسه علاقته بالكتاب.

فلا يعقل أن نطالب الناس بالقراءة ونحن لا نقرأ، ولا يعقل أن نشكو من ضعف الثقافة ونحن نكتب أكثر مما نقرأ، ولا يعقل أن نطالب الشباب بمقاومة الخرافة والتطرف ونحن لا نوفر لهم المعرفة التي تحصّن عقولهم.

إن الثقافة ليست ترفًا، والقراءة ليست هواية هامشية. القراءة بناء للإنسان، وحماية للعقل، وتحصين للمجتمع، وإذا كانت المجتمعات تبني قوتها بالاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، فإنها تبني مناعتها بالثقافة، ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا ليس فقط: كم كتابًا قرأ العربي في السنة؟ بل السؤال الأهم: أي إنسان نصنع حين يتوقف عن القراءة؟ فحين يجوع العقل، لا يبقى جائعًا إلى الأبد؛ لا بد أن يأكل شيئًا، فإما أن نطعمه معرفة، وإما أن تملأه الخرافة، وإما أن نفتح أمامه أبواب الكتاب، وإما أن نترك الأبواب مفتوحة لكل من يريد أن يحشو هذا العقل بما يشاء.

ومن هنا، فإن محاربة الأمية الثقافية ليست مسؤولية وزارة أو مؤسسة وحدها، وإنما مسؤولية مجتمع كامل، فالأمة التي تقرأ تستطيع أن تفكر، والتي تفكر تستطيع أن تختلف دون أن تكره، والتي تختلف دون أن تكره تستطيع أن تبني، أما الأمة التي لا تقرأ، فإنها تترك عقول أبنائها في مهب الريح.

ولعل أخطر أنواع الأمية في عصرنا ألا يكون الإنسان أميًّا في الحروف، وإنما أميًّا في الوعي.

مدار الساعة ـ