أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عَبرات الخريف

مدار الساعة,مناسبات أردنية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب عمر حسن شعبان -

في كل خريف، تنقبض روحي كلما رأيت أوراق الأشجار تتساقط، تائهة في الشوارع والأزقة، وعلى الأدراج وزجاج السيارات. تعصف بها نسمات النهار القصير، وتسحلها الرياح على الأرصفة والممرات، ثم تلقي بها في زوايا الحارات المنسية، حيث يبللها ندى الليل الطويل، وتغيب عنها دفء الشمس وحنان الضوء، فتذبل وجنتاها، ويتيبس عودها، وتخفت فيها أنفاس الحياة، وهي التي كانت بالأمس القريب ترفرف على الأغصان، تزينها بحمرة الشوق، وصفرة الذهب، وبرتقالية الحنين، وبنية الوقار. يا لوجع الورقة حين تغادر موطنها! ويا لوحشتها حين تصبح غريبة في الطريق، بعد أن كانت جزءا من جمال المكان وبهجته! كأن الخريف لا يسلبها غصنها فحسب، بل يسلبها أيضا حقها في أن تبقى عزيزة في ذاكرة الشجرة التي احتضنتها يوما.

وما أشبه هذه الأوراق بأناس كانوا يوما جزءا من أعمارنا، يمنحون أيامنا ظلا، ويملؤون مجالسنا دفئا، ويزرعون في أرواحنا فرحا لا نعرف قيمته إلا حين يغيبون! وحين تضعف بهم الأيام، أو تثقلهم السنون، أو تعصف بهم رياح الحياة، نراهم يتساقطون من ذاكرة البعض، فيتجاوزونهم كأنهم لم يكونوا يوما مصدر عطاء، ولا شركاء درب، ولا أصحاب فضل. نعرض عنهم حين تبهت ألوانهم، ونمضي إلى الأقوياء الذين يستعدون لارتداء ثياب جديدة، نمدحهم ونردد: «ما ضر الشجرة تساقط بعض أوراقها، فالشجرة باقية والأوراق تتجدد». وكأن الوفاء لا مكان له في حسابات البقاء، وكأن القوة تبيح لنا أن ننسى من شاركونا الطريق، وكأن الجمال لا يكتمل إلا بالتخلي عمن أنهكهم العطاء! ما أقسى أن يتحول الضعف إلى تهمة، وأن يصبح الوفاء عبئا، وأن ينسى الإنسان أن الذين نراهم اليوم أوراقا ذابلة ربما كانوا بالأمس ظلا وارفا وربيعا لا ينسى.

أردت فقط أن ألفت النظر إلى تلك الأوراق المنكسرة في دورة البقاء؛ إلى القلوب التي لا تطلب سوى يد تمتد إليها، وكلمة حانية تعيد إليها بعض الأمل، وموقف كريم يقول لها: ما زال لك في القلب مكان، وما زال لوجودك معنى، ولن نتخلى عنك لمجرد أن الأيام غيرت لونك وأبطأت خطاك. تخيلوا لو أن الأشجار تعلمت من أصالة الزيتون، فتمسكت بأوراقها ما استطاعت، وأمدتها من عصارة أغصانها، ومنحتها شيئا من قوتها حين دب فيها الوهن، وأحاطتها بالرحمة بدل أن تتركها لمصير الريح! لربما طال بقاؤها، واشتدت عراها، وتجددت بينهما أواصر المودة. فليس كل ما يضعف ينبغي التخلي عنه، وليس كل ما يتغير لونه يفقد قيمته، وليس كل من تعثر في الطريق صار عبئا على من أحبه. إن من أسمى القيم أن نكون أوفياء حين يقل العطاء، وأن نحفظ الود حين تتغير الأحوال، وأن نرد الجميل حين يعجز صاحبه عن رد الجميل إلينا.

ولعل للأوراق، في صمتها وانكسارها، عتابا مؤجلا على الأشجار التي نسيت فضلها، ولعل الأيام تدور لتكشف لكل شجرة حقيقة ما صنعت بأوراقها. فكم من قلب جُرح حين استغني عنه، وكم من إنسان انطفأ حين لم يجد يدا تسنده، وكم من علاقة ذبلت لا لأن الحب انتهى، بل لأن الوفاء لم يجد من يسقيه! إن الحياة لا تمنحنا ضمانا بأن نبقى أقوياء، ولا تعدنا بأن نظل في ربيع دائم؛ فلكل شجرة خريفها، ولكل إنسان لحظة ضعف يحتاج فيها إلى من يرفق به، لا إلى من يحكم عليه. وما نزرعه اليوم في قلوب الآخرين سنلقاه غدا في طرقات أعمارنا؛ فإن زرعنا الرحمة حصدنا الأمان، وإن سقينا الوفاء وجدنا من يسندنا حين تميل أغصاننا، وإن اعتدنا التخلي فقد يأتي يوم نبحث فيه عن ورقة واحدة، فلا نجد سوى صدى الريح.

ولعل أوجع ما في الخريف ليس أن الأوراق تسقط، بل أن الأشجار تمضي في اخضرارها كأن شيئا لم يكن، متناسية أن تلك الأوراق التي تتقاذفها الرياح كانت يوما جزءا من بهجتها، وأنها ما بلغت ذروة جمالها إلا بها. وهنا تكمن المأساة: أن يتحول العطاء القديم إلى ذكرى لا تستحق الالتفات، وأن يصبح الضعف مبررا للتخلي، وأن يمحى تاريخ من المودة لمجرد أن صاحبه لم يعد قادرا على العطاء كما كان.

لكن الحياة، في دورانها الذي لا يحابي أحدا، لا تترك الأشجار على حالها، ولا تمنح الأغصان وعدا بالاخضرار الأبدي؛ فلكل شجرة خريف مؤجل، ولكل قوة لحظة انكسار، ولكل قلب يوم يقف فيه على حافة الحاجة، ينتظر من يراه بعين الرحمة، لا بعين المنفعة. وحين يأتي ذلك اليوم، لن تنفعه كثرة الأوراق الجديدة، ولن يعوضه تصفيق العابرين عن يد واحدة امتدت إليه حين خذله الجميع.

إن الوفاء ليس أن نحب الأشياء وهي في أوج جمالها، بل أن نحفظ لها مكانتها حين يخفت بريقها، وأن نصون الود حين يعجز صاحبه عن ردّه، وأن نتذكر الفضل حين تنقطع أسبابه الظاهرة. فالأصالة لا تقاس بما نحتفظ به حين تكون الحياة في صفنا، بل بما نرفض التخلي عنه حين يصبح الاحتفاظ به عبئا. ولعل للأوراق الساقطة حكمة لا تدركها الأشجار إلا متأخرة: أن الجذور التي تغذي الغصون لا تمنحها الحق في إنكار أوراقها، وأن البقاء الذي يقوم على النكران ليس خلودا، بل وحدة مؤجلة. فالشجرة التي تتخلى عن أوراقها كلما أنهكها الخريف قد تتجدد، لكنها لا تضمن أن تجد في كل ربيع من يمنحها ظلاله القديمة، ولا أن تعود إلى أغصانها الوجوه التي أرهقها الجفاء.

فيا أيها الإنسان، لا تغتر باخضرار أغصانك، ولا تظن أن الربيع الذي يسكنك سيبقى إلى الأبد؛ فلكل شجرة خريفها، ولكل قلب لحظة انكسار، ولكل قوي يوم يحتاج فيه إلى من يرفق بضعفه، ويستر ذبوله، ويتمسك به حين تتساقط من حوله أسباب البقاء. تذكر أن الأوراق التي تهجرها اليوم كانت يوما زينة أغصانك، وأن القلوب التي تستغني عنها حين تعجز عن عطائك قد تكون هي ذاتها التي منحت أيامك دفئها، وأحاطت عمرك بظلها، وأسهمت في أن تكون ما أنت عليه اليوم. فلا تجعل تجددك خيانة لماضيك، ولا تجعل قوتك مبررا لجحودك، ولا تنتظر حتى تصبح الأماكن خالية لتدرك قيمة الذين كانوا يملؤونها حياة.

فالأشجار قد تستعيد أوراقها، والأغصان قد تكتسي بالخضرة من جديد، لكن القلوب التي كسرها النكران لا تعود دائما كما كانت، وبعض الغياب لا يجبره اعتذار، وبعض الندم يأتي متأخرا، حين لا يبقى في اليد سوى ذكرى، وفي العين سوى دمعة، وفي الروح سؤال لا يهدأ: لم لم نكن أرحم حين كانت الرحمة ممكنة؟

إن الخريف الحقيقي ليس أن تتساقط الأوراق عن الأشجار، بل أن تتساقط الرحمة من القلوب، وأن يجف الوفاء في النفوس، وأن يتنكر الإنسان لمن كانوا يوما جزءا من ربيعه. ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من الخريف أن نكون للآخرين ربيعا حين يخذلهم العمر، وظلا حين تحرقهم شمس الحياة، ويدا لا تفلت أيديهم عند أول انكسار. فحين تسقط آخر أوراق أعمارنا، لن يبقى لنا من جمالنا ما تفاخرنا به، ولا من قوتنا ما احتمينا به، بل ما زرعناه في القلوب من محبة، وما تركناه في الأرواح من أثر، وما حفظناه من عهود حين كان النكران أسهل من الوفاء.

فلا تكونوا أشجارا تتقن التجدد وتنسى الوفاء؛ كونوا أشجارا تعرف أن أوراقها ليست زينة عابرة، بل حكاية عمر لا يليق أن تمحى عند أول خريف. فما أقسى أن تبقى الشجرة، وتسقط أوراقها، ثم تكتشف متأخرة أنها حين حافظت على اخضرارها، أضاعت روحها؛ وأنها ربحت اخضرار الأغصان، لكنها أضاعت المعنى الذي كان يجعل الخضرة حياة.

**فطوبى لمن إذا رأى ورقة ذابلة لم يزدها انكسارا، وإذا أبصر غصنا مائلا أسنده، وإذا خفت نور قلب أمده بشيء من ضيائه؛ فهؤلاء وحدهم يدركون أن العظمة ليست في القدرة على الاستغناء، بل في نبل الاحتواء، وأن الأصالة ليست في كثرة ما نتخلص منه، بل في الوفاء لما كان يوما جزءا من أرواحنا.**

**وحين يحين خريفنا، لن يبقى لنا من الدنيا إلا ما أودعناه في قلوب الآخرين من رحمة، وما تركناه في أرواحهم من محبة، وما حفظناه من جميل العهد والوفاء. فلا تؤجلوا الرحمة حتى يصبح الاعتذار بلا جدوى، ولا تنتظروا الغياب لتدركوا قيمة الحضور؛ فبعض الأوراق إذا سقطت لا تعود، وبعض القلوب إذا انكسرت لا تستعيد صفاءها، وبعض الغائبين لا يتركون وراءهم إلا سؤالا موجعا: لماذا لم نحتضنهم حين كانوا بين أيدينا؟**

**ذلك هو الخريف الذي يستحق أن نخافه حقا؛ ليس خريف الأشجار حين تفقد أوراقها، بل خريف الضمائر حين تفقد وفاءها، وخريف القلوب حين تجف فيها ينابيع الرحمة. فطوبى لمن ظل في قلبه ربيع لا يخون، ورحمة لا تجف، ووفاء لا تغيره الفصول؛ لأن الأشجار قد تستعيد أوراقها، لكن الإنسان لا يستعيد دائما قلبا خسره بالجحود.


مدار الساعة ـ