أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من يقدّرون المعروف ولا يتنكّرون له

مدار الساعة,مقالات
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب: الصحفي رفاد العياصرة - الناس معادن، ولن تعرف معدن الإنسان إلا عند الأخذ والعطاء. بعض الناس إذا أخذ، شكر، وإذا أُعطي، حفظ، وإذا ساعده أحد وهو في ضيقه، نقش اسمه على قلبه.

وبعض الناس إذا أخذ، جحد، وإذا أُعطي، نسي، وإذا شبع، تنكّر لمن أطعمه أول مرة.

المعروف هو الغربال الحقيقي الذي يصفّي لك الناس. فلا تصدق كلام المجالس ولا حلاوة اللسان، صدّق فقط من يتذكرك بعدما يكتفي. من يقدّر اللقمة، ويقدّر الكلمة، ويقدّر الوقفة. هؤلاء قليلون، لكنهم هم الأصل، وهم السند، وهم الذين إن وجدتهم تمسّك بهم بيديك وأسنانك.

وأعظم قصة تشرح لك هذا الغربال، هي قصة موسى عليه السلام في مدين.

تخيل المشهد كاملاً...

موسى عليه السلام خرج من مصر خائفاً يترقب. قاتل بالخطأ، فصار مطلوباً للقصاص. خرج حافياً، بلا زاد، بلا دابة، يقطع الصحراء أياماً حتى وصل مدين.

انظر إلى حاله حين وصل:

لا بيت يؤويه من برد الصحراء، ولا وظيفة تطعمه، ولا زوجة تؤنسه وحشة الغربة، ولا عشيرة تحميه من الظلم. غريب، هارب، خائف، جائع، ثيابه ممزقة من طول السفر. جلس تحت شجرة، لا يملك حتى كأس ماء.

وفي تلك اللحظة بالذات، التي كان هو فيها أحوج الناس لمن يصنع معه معروفاً، مرّت فتاتان ضعيفتان تحملان غنماً، تقفان بعيداً عن البئر لأن الرعاة أقوياء.

ماذا فعل موسى؟ هل قال: أنا مهموم، أنا جائع، أنا لا أملك شيئاً، فليساعدني أحد أولاً؟

لا. قام وهو الفقير ليساعد الفقراء. سقى لهما الغنم بكل قوته، ثم لم يقف ينتظر كلمة شكراً ولا نظرة إعجاب. تولى إلى الظل، جلس تحت الشجرة مرة أخرى، ورفع يده إلى السماء بدعاء الفقير العفيف: *﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾

وهنا يبدأ الدرس الثاني: كيف يستقبل الناس معروفك؟

الفتاتان كان بإمكانهما أن تأخذا المعروف وتمشيا، كأنه حق لهما. لكنهما من بيت أصيل، بيت نبوّة، بيت شعيب عليه السلام.

رجعتا إلى أبيهما وقالتا: يا أبتِ، هناك رجل غريب، قوي وأمين، صنع لنا معروفاً لم يصنعه لنا أحد من الرعاة.

والأب الصالح لم يقل: "جزاه الله خيراً" وينتهي الموضوع كما يفعل كثير من الناس اليوم. لم يبخل بالكلمة ويبخل بالفعل.

قال مباشرة: ﴿إِنَّا نُرِيدُ أَن نَجْزِيَهُ﴾ اذهبي فادعيه. نحن قوم لا نتنكّر لمن أحسن إلينا.

هذا هو البيت الأصيل. بيت لا يأكل المعروف وينكره، ولا يشرب من بئرك ثم يرمي فيه حجراً، بيت لا يتنكّر لصاحب الفضل.

قدّروا المعروف حق قدره:

المعروف كان مجرد دلو ماء.. سقيا غنم.. عمل لا يستغرق خمس دقائق.

لكن الجزاء كان عظيماً بعظمة أهله:

فجزاؤه كان بيتاً آمناً بعد خوف، ووظيفة شريفة يرعى الغنم بثماني سنوات، وزوجة صالحة ابنة نبي، وأهلاً بعد غربة!

لم تغرب شمس ذلك اليوم إلا وموسى الذي وصل في الصباح فقيراً وحيداً، لا يملك قوت يومه، أصبح في المساء يملك كل شيء: المأوى والعمل والزوجة والعائلة.

لماذا؟ لأنه صادف قوماً يقدرون المعروف ولا يتنكرون له.

الخاتمة: ابحث عن بيت شعيب

وهنا خلاصة الحياة كلها:

هناك ناس لو صنعت لهم معروفاً صغيراً، ككلمة طيبة في وقت انكسارهم، أو وقفة صغيرة في وقت حاجتهم، حملوه في قلبهم عمراً كاملاً، وذكروك به في كل مجلس، ودعوا لك في ظهر الغيب، وإذا احتجت شيئاً قالوا: هذا دين في رقبتنا لا ننساه.

وهناك ناس، والعياذ بالله، لو حملت الجبل فوق ظهرك من أجلهم، يتنكّرون لك، ويقولون بكل برود: ما فعلت شيئاً، هذا واجبك، لم نطلب منك ذلك.

الأولون هم الكرام، أبناء الكرام، الذين إذا أكرمتهم ملكتهم بقلوبهم لا بأموالهم.

والثانون هم اللئام، الذين إن أكرمتهم تمردوا، وإذا شبعوا تنكّروا، وإذا قويت شوكتهم جحدوا.

فابحث في حياتك عن بيت شعيب.. عن من إذا سقيت لهم مرة، سقوك عمراً كاملاً.

أما من يتنكّر للمعروف، فاتركه في ظله يموت عطشاً، ولو كان الماء بين يديك، فإن الكريم إذا تنكّرت له خسرت سنداً لا يعوّض.


مدار الساعة ـ