مرّت أيّام قليلة على السؤال والوعد: السؤال الذي طرحَتهُ زوجته شروق - (أم أمل) عن أسباب التغيّرات التي بدأت تظهر على زوجها ووالد ابنتهما (أمل)، ووعْد عوض في جوابه، الذي كان سؤالاُ وإجابة: تسألينني، إن كنّا أمام دولة مؤسسات أم أمام شبكات اجتماعية وجغرافية ومصلحية تعيد توزيع الفرص خارج معايير الكفاءة وتكافؤ الفرص؟!، ... إن شئتِ، يمكننا أن نتحدث في كل هذا يوم عطلتي القادمة ...
وجاءت نهاية أسبوع العمل، لتحمل معها العطلة، وفي معيّتها السؤال والوعد بالجواب، بعد أيام عمل شاقّة، استغرق عوض بعدها مع العطلة الأسبوعية في نوم عميق طويل امتدّ نحو عشر ساعات. فقد كانت أيامًا حافلة بالولائم، واللقاءات، والترتيبات، ... وكانت حافلة أيضا بمزيد من "الشخصّيّات الهامة" التي ما كان عوض يعرف عنها إلاّ أنها تظهر على الشاشات، وتثير فيه مزيجا من مشاعر الخوف والتقدير والاحترام والشك وحتى "الدونية"، ... وكان يسمع من كثير من بعض تلك الشخصيات أشياء عدَّها أشبه بأحاديث وإجابات عن أسئلة لا يعلم كُنه الإجابات عنها إلاّ الراسخون في العلم، قبل أن يعرف ما عرف، ويفهم ما فهم، ويستخلص ما استخلص...وبعد فنجان قهوة ما بعد الظهيرة هذه المرة، بعدما كانت قهوة الصباح، مضت عدة ساعات، ولكنها مرّت كأنها دقائق عند عوض، بعدما افتقد ساعات "مرّة-حلوة" قضاها مع أمل وأمها أيّام كان يعمل "عاطلاً عن العمل"! بل وكاد عوض يفتقد الفقر المدقع، بعدما نظرت أمل في عينيه وقالت: "بابا" للمرة الأولى!! وكانت قبلها تقول "ماما"، وكلمات أو أصوات أخرى لم يكن يفهمها، وكان يتحرّق شوقا ليسمعها تقول: "بابا"..."ما أجمل الوقت الذي نقضيه مع أعز الناس وأحبّ الناس وأقرب الناس"!! ... قالها عوض لأشواق، وأتبعها بكلمات لم يقلها إلاّ لذاته: "للحياة متطلباتها، وعلى ربّ الأسرة، في مجتمعنا خصوصا، أن يتحمّل المسؤولية عن توفير متطلبات حياة أسرته، ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ودون ذلك، لا مفرّ من المرارة التي أعرفها ويعرفها كل من عانى البطالة وضَنَك العيش و"مدّ اليد" طلبا لقرض أو مساعدة هنا أو هناك، أو توطئة الرأس خجلاً من التأخّر في السداد، أو حقدًا على قطع الكهرباء، و"تصحُّر الثلاّجة" والمطبخ، صيفًا وشتاءً، ... وغير هذا كثير، وقد يكون أكثر مرارة ...وفي غمرة تلك الموجات من المشاعر المتضاربة، وما فيها من مفارقات، انفجرت في وجه عوض كلمات تمنّى لو لم يسمعها: "والآن يا حبيبي.. هل تتذكّر ما وعدتَني به، حين قلتَ إنك ستحدّثني عن أسباب التغيّرات التي بدأت تظهر لي ولغيري في الشهور الأخيرة خصوصا، والتي أراها تتعمّق وتتزايد يوما عن يوم؟!" ... وتابعت: " أنا لا أقول ذلك وكأن ما تغيّر كان سلبيا، ... بل بالعكس تماما، مع أن المخاوف عليك وعلى أسرتنا تنتابني بالطبع! ولكنني أريد أن أفهمك أكثر، لأنني أحبّك أكثر"!كانت الجملة الأخيرة بمثابة صاعقة جميلة وخطيرة، كانت صاعقة ناطقة ... وكانت صاعقة من فضّة وقرنفل وبريق ودخان لا يعرف سببا محددا لتصاعُدِه:"أريد أن أفهمك أكثر، لأنني أحبّك أكثر"!!همس من ذاته وفي ذاته ولذاته، وقال: ليتكِ لم تقولي ذلك! ومع أنه جميل وعذب وعميق وحبيب لقلبي، إلاّ أنه خطير يا حبيبتي! ... لماذا يا شروق؟ لماذا قلتِ ذلك؟! ولكنه جاهر بصوته وردّ على (أم أمل، وقال في هدوء يشبه لحظات ما قبل العاصفة: (أنتِ تريدين لنا الإبحار في "بحار تئنّ فيها الرياحُ ... ضاع فيها المجذاف والملاّحُ"، كما قال الشاعر جورج جرداق في قصيدة "هذه ليلتي" لأم كلثوم ... أنتِ تطلبين أن تدخلي معي في بحر الحيرة والأسئلة الكبيرة... لا بأس! وعدتُكِ أن أكون صادقا وصريحا معكِ، ووعدتكِ أن أجيب عن سؤالِك الصعب، وسأفعل. أوَليس وعد الحرّ دينٌ عليه؟!) ... قال هذه الجملة الأخيرة وأرفقها بابتسامة مطمئنة دافئة منذرة... وتابَع:ما عرفتُه وخَبِرتُه عصيٌّ على وصف سريع مفهوم. أنا نفسي كنتُ أتردّد في كلّ مرة أوشكتُ فيها على استخلاص نتيجة معزّزة بما يتجمّع لديّ ممّا أسمعه وأراه، وأبقى أقول لنفسي: "إن بعض الظن إثم"، ... ثمّ تأتي النتائج العملية الملموسة للترتيبات و"الكَوْلَسَات" لتجعل من الظن حقائق لا يمكن دحضها. وفي مثل هذه المواقف، كما قلتُ لكِ وكما لاحظتِ ربّما، كنتُ أتساءل عن مدى استخفاف بعض "النافذين" في "القطاعين" و"الجهات" بكل الأسس والمبادئ! بالدستور، وبالقوانين والأنظمة والتعليمات، وبالدين، وبالأخلاق، والوطن، وبالمناشدات والتأكيدات التي تتكرّر دون توقّف في مواقف القمم العليا للدولة... وكان السؤال الذي يشغلني ويحيّرني يتكرّر كل مرّة: من أين لهؤلاء "هذه المقدرة للتجرّؤ على الاستهتار بمصلحة الوطن والغَلابا والراكضين وراء لقمة عيش كريم نزيه وتجيير ما يمكن تجييره لمصالحهم وترتيباتهم "الخاصة"، جيلا بعد جيل، وبالتوارث، وصولا إلى منح بعضهم صلاحيات واسعة لأبنائهم في مؤسسات وازنة، مع سلطات اتخاذ قرارات ومنح الامتيازات، ومحاربة "الخصوم" من الكفاءات التي لا يُشتَرى ضميرها ولا تباعُ كرامتها الوطنية والأخلاقية والدينية في "دكّان الضمائر"؟! ... هم أشبه بمؤسسة منظمة دون تنظيم معلن صريح، وبلا اسم، ولا عنوان، ولكن في فضاء جغرافي ومصلحي يحملها فتتنقّل بين مشتركاتهم هنا أو هناك... هي مؤسسات متغلغلة وفاعلة و"منتِجة"!!وتنهّد عوض، وقال ... بعد "سمّة البدن" هذه، دعينا نرتاح قليلا، ثم نزور الأهل ونتجول في السوق، ثم نتابع السهرة في الحديث عن "الشلّة والشِّلل والشَّلَل"!! ...عوض و'مطعم الأشرار' (5)
مدار الساعة ـ