مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، يطرح سؤال جوهري حول صدقية ودقة نتائج استطلاعات الرأي العام، التي تجريها في الولايات المتحدة الأميركية،وسائل إعلام أو مراكز متخصصة بهذا الشأن.
ومن المهم التذكير بتجارب سابقة في استطلاعات الرأي العام كانت توقعاتها ونتائجها فاشلة، وتاريخ إخفاقات استطلاعات الرأي في الانتخابات الأميركية يرجع لزمن بعيد، وتُعد انتخابات 1948 واحدة من أشهر الأمثلة على فشل استطلاعات الرأي، إذ توقعت معظم الاستطلاعات فوز المرشح الجمهوري توماس ديوي بسهولة على الديمقراطي هاري ترومان، إلا أن الرئيس ترومان حقق فوزاً على غريمه.وفي انتخابات 1960 كانت استطلاعات الرأي قد توقعت فوز ريتشارد نيكسون، لكن جون كينيدي نجح بالفوز، وقد تكرر نفس الأمر في انتخابات 1980، إذ كانت الاستطلاعات تشير إلى تقارب السباق بين جيمي كارتر ورونالد ريغان، إلا أن ريغان فاز بفارق كبير!في عام 2016 توقعت معظم مؤسسات استطلاعات الرأي فوزاً كبيراً للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، وهو ما لم يحدث، وفي عام 2020 توقعت معظم استطلاعات الرأي فوز جو بايدن، وقد تحقق ذلك، إلا أنها بالغت أيضاً في تقدير الدعم للمرشح الديمقراطي مقارنةً بالرئيس دونالد ترامب آنذاك.هذه الأخطاء تركت العديد من الأميركيين يشعرون بخيبة أمل تجاه صناعة الاستطلاعات بأكملها، وشهدت السنوات الأخيرة تراجعاً في مصداقية استطلاعات الرأي العام، وكان أحدثها الانتخابات الأميركية التي أجريت عام 2024، وتنافس فيها الديمقراطية كاميالا هاريس والجمهوري دونالد ترامب، وتزايدت التساؤلات حول دقة استطلاعات الرأي، خاصة بعد الإخفاقات المتكررة لتوقعات استطلاعات الرأي في السنوات السابقة، فرغم التحديات المنهجية تبقى استطلاعات الرأي أداة مهمة لتقدير مدى تقارب السباق الانتخابي، ولكن يبقى السؤال: هل ستكون موثوقة؟ وهل يمكننا الاعتماد عليها في التنبؤ بالفائز؟كانت نتائج استطلاعات الرأي متقاربة جداً في التنافس بين ترامب وهاريس، وتركت جمهور المرشحين بحيرة كبيرة، إذ أظهر استطلاع رأي تنافساً متقارباً بين المتنافسين على المستوى الوطني.مع ذلك تمتع ترامب بميزة على المستوى الوطني بفارق سبع نقاط عن هاريس، وكانت النتيجة فوز ترامب بنسبة كاسحة، حيث حصل على أصوات المجمع الانتخابي، وتفوق في التصويت الشعبي وفي الولايات المتأرجحة!هناك العديد من المعضلات التي تعاني منها عملية استطلاعات الرأي العام، ترتبط ببعض الأبعاد الشائكة والتي تمثل محل انتقاد أو تساؤلات حول مصداقية نتائج الاستطلاعات، ومن أهمها: هل يطرح المنفذون الأسئلة الصحيحة؟ هل يقومون بتعديل صياغة الأسئلة للحصول على الإجابات التي يريدونها؟ من الذين خضعوا للمقابلات؟ من يمول الاستطلاعات: الأحزاب السياسية، أم وسائل الإعلام،أم جماعات اللوبي (المصالح)؟يستشهد معظم الناس من جميع الفئات، سواء أكانوا من النخبة أو المثقفين والإعلاميين، أم حتى من المواطنين العاديين، بنتائج استطلاعات الرأي، عندما تتفق مع توجهاتهم، بينما يشككون فيها بشدة عندما تتعارض مع توجهاتهم أو تُظهرهم كأقلية.على الجانب الآخر، تُعد استطلاعات الرأي آلية أساسية لمعرفة مدى تأثير الحملات الانتخابية وكيفية تفاعل الجمهور معها، لذلك يعتمد عليها السياسيون لصياغة رسائلهم وتوجيه حملاتهم، ولذلك لا تُعد استطلاعات الرأي آلية موضوعية في التعرف إلى اتجاهات الناخبين فحسب، بل إنها تسهم بشكل أو بآخر في التأثير في سلوك الناخبين وتوقعاتهم بشأن نتائج الانتخابات.كانت الاستطلاعات تُجرى وجهاً لوجه في المنازل من قبل المستطلعين، ومع انتشار الهواتف الثابتة داخل المنازل الأميركية، تحولت المقابلات إلى هذه الطريقة في جمع البيانات، ثم مع انتشار الهواتف المحمولة أصبحت هي الطريقة السائدة.مع زيادة الضغوط المالية على شركات الاستطلاعات وشركائها الإعلاميين، حدث تحول إلى المقابلات عبر الإنترنت باستخدام كل من مواقع الإنترنت وتطبيقات الهواتف المحمولة، وقد أثار ذلك أسئلة منهجية مهمة حول مدى تمثيل بيانات الاستطلاعات للمجتمع، وانخفاض معدلات الاستجابة، وتعتمد معظم الشركات حالياً على الدمج بين أكثر من طريقة لجمع بيانات الاستطلاعات في محاولة للوصول إلى عينات ممثلة.على الرغم من بعض الإخفاقات، ستظل الاستطلاعات الطريقة الأكثر فعالية للحصول على آراء الناخبين، وقد توفر مصادر البيانات الأخرى مثل وسائل التواصل الاجتماعي بعض الفهم لسلوك الناخبين، لكنها ليست بنفس الجودة في التنبؤ بنيات التصويت أو نتائج الانتخابات، لأنها تعتمد بشكل كبير على الاستدلال.وعليه، رغم تدني نسبة التأييد الشعبي للرئيس ترامب لتصل إلى نحو 35، مقابل نسبة عدم رضا تجاوزت 60 بالمئة، وفقاً لأحدث قراءات شبكة "سي إن إن"! فإنه ليس مستبعداً فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية للكونغرس أو أن تكون النتيجة متقاربة.مصداقية استطلاعات الرأي!
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ