في مشهد يعكس حالة التخبط التي يعيشها التعليم الثانوي في الأردن اجتمعت لجنة التربية والتعليم النيابية مع وزير التربية والتعليم لمناقشة أزمة توزيع طلبة الصف الثاني عشر على الحقول الجديدة.
كان الاجتماع وفقاً لتصريحات النائب محمد الرعود أشبه بـ"فوضى ولغط"، وانتهى قبل مناقشة العديد من القضايا الجوهرية بعد أن نجح النواب في انتزاع وعد من الوزير بإلغاء تطبيق نسبة 30% من علامة المدرسة على طلبة مواليد 2009، على أن يطبق على مواليد 2010 , هذه القصة باختصار تحمل في طياتها فضيحة تربوية تتجاوز مجرد قرار وزاري، لتكشف عن خلل منهجي في آلية صنع القرار التربوي في الأردن. بينما يحتاج نظام التعليم الثانوي إلى إصلاح جذري يقوم على أسس علمية نجد أنفسنا أمام ردود فعل سياسية تمتص الغضب الشعبي وتُرقّع الأخطاء دون أن تلمس جوهر المشكلة ودون أن تسأل السؤال الأهم: من صاغ هذه القرارات؟! وعلى أي أسس؟! وأين هم أهل الخبرة والمختصون؟! وماذا يفعل مجلس النواب في كل هذا سوى إدارة "الفوضى" التي وصفها أحد أعضائه؟!عندما اندلعت أزمة الحقول والمسارات الجديدة كان السؤال الأكثر إلحاحاً الذي طرحه الطلاب وأولياء الأمور والمعلمون، هو: من الذي صمم هذه المسارات؟! وهل استندت إلى أي دراسة علمية جادة؟! , من خلال متابعة التصريحات الرسمية وبيانات اللجنة النيابية نجد غياباً شبه كامل للإشارة إلى أي دور للخبراء التربويين أو الأكاديميين في تصميم أو تقييم هذه السياسات. فما نعرفه عن اجتماع اللجنة النيابية أنه كان "فوضى ولغطاً" وأن النواب نجحوا في الضغط على الوزير للتراجع عن قرار معين , وهذا لا يوحي بأن هناك أي دراسة معمقة أو استشارة لخبراء في الاجتماع والتربية ,النتيجة هي نظام تعليمي يُدار باجتهادات سياسية وليس بأسس علمية. نظام يُحدث تغييرات جذرية دون استشارة الميدان ودون الاستماع إلى المعلمين الذين يطبّقون هذه السياسات يومياً على أرض الواقع , والأغرب أن مجلس النواب الذي يفترض أن يكون رقيباً على الأداء الحكومي وممثلاً للشعب تحول إلى ساحة "فوضى ولغط" بدلاً من أن يكون منصة لحوار هادف يضع مصلحة الطلاب فوق كل اعتبار.ما قاله النائب الرعود بأن "من المبكر الحكم على تجربة الحقول والمسار التقني" هو، في الواقع اعتراف مبطّن بأن الطلاب يُستخدمون كفئران تجارب ,فلا يمكن أن نطلق "تجربة" جديدة على مستقبل آلاف الطلاب ثم نقول بعد ذلك: "سنقيّم النتائج ونصحح المسار" , هذا عبث بالمعنى الحرفي للكلمة ,التقييم يجب أن يكون قبل التطبيق وليس بعده ,يجب أن تسبق هذه التجارب دراسات وافية وورش عمل واستشارات مجتمعية، ونماذج تجريبية محدودة، ثم بعد ذلك يُعمم القرار. لكن ما حدث هو العكس: أُطلقت التجربة وفوجئ الجميع بآثارها السلبية، ثم تُرك النواب ووزير التربية يتشاجرون في قاعة مجلس النواب ليقرروا من سيتحمل العبء: مواليد 2009 أم 2010! وهنا يبرز السؤال الأكثر إحراجاً: هل يعلم الوزير والنواب أنهم يتحدثون عن مستقبل بشر، وليس عن أرقام في جدول بيانات؟! , كل قرار يؤثر على حياة طالب ومساره، ومستقبله وأحلامه التي بناها لسنوات , فماذا بقي من دور لمجلس النواب سوى إدارة هذا العبث بدلاً من محاسبة المسؤول عنه ؟!المشكلة أن رد الفعل الحكومي على الأزمة وكذلك رد فعل اللجنة النيابية لم يكن إصلاحياً بقدر ما كان ترقيعياً وانتخابياً, الهدف الوحيد كان امتصاص الغضب الشعبي الذي عبر عنه الطلاب وأولياء الأمور في الشارع وليس معالجة الخلل في جوهر النظام. فبدلاً من أن تعود اللجنة إلى تصميم الحقول والمسارات وتطلب إعادة النظر فيها بناءً على معايير علمية واضحة ، وبدلاً من أن تعترف بخطأ السياسات وتطلب إلغاءها، اكتفت بتأجيل تطبيق نسبة 30% لمن هم أكبر سناً، وإبقائها لمن هم أصغر. هذا ليس حلاً بل هو ترميم فوري قد يهدئ الغضب اليوم لكنه يبقي الخلل الأساسي قائماً ويُبقي الطلاب في حالة من القلق الدائم حول مستقبلهم , خاصة أولئك الذين سيواجهون نسبة الـ30% في العام القادم. الأسئلة التي لم تُطرح في الاجتماع والتي ما زالت بلا إجابة هي : لماذا صممت الحقول بهذا الشكل؟ لماذا حُذفت الفيزياء والرياضيات من الحقل الصحي؟ لماذا يُدرس طلاب الحقل التكنولوجي الجغرافيا بدلاً من تعميق الرياضيات؟ ما هي الدراسات التي اعتمدت في تصميم المسارات؟ كيف سيتم تقييم نجاح أو فشل هذه التجربة، وما هي المؤشرات؟ أين دور المعلمين والإداريين الميدانيين في هذه العملية؟ , هذه الأسئلة هي الجوهر , أما الحديث عن نسبة 30% أو 40%، فهو مجرد موضوع ثانوي يُستخدم كغطاء لإخفاء الفشل الجوهر , . والمجلس النيابي بدلاً من أن يطرح هذه الأسئلة الجوهرية، انشغل بالترقيع السياسي وكأن مهمته تنتهي عند إدارة "الفوضى واللغط" التي وصفها أحد أعضائه.المواطنون ليسوا ضد التغيير ولكنهم ضد الارتجال, أي نظام تعليمي في العالم يجب أن يتطور لكن التطوير يحتاج إلى أدوات وأسس : استشارة الخبراء التربويين والأكاديميين، حيث يجب أن يكون هناك هيئة دائمة من الخبراء التربويين وأساتذة الجامعات، تشارك في تصميم أي سياسة تعليمية جديدة. الاستناد إلى دراسات ميدانية, فلا يمكن اتخاذ قرارات بهذه الضخامة دون إجراء دراسات ميدانية على عينات من الطلاب لتقييم تأثير السياسات قبل تعميمها. الشفافية، حيث يجب نشر الدراسات والمعايير التي استندت إليها الوزارة عند تصميم المناهج الجديدة، حتى يعرف الجميع الأساس المنطقي لهذه القرارات. الاستماع للميدان، فللمعلمين والإداريين المدرسيين خبرة في التعامل مع الطلاب وتفاعلهم مع المواد الدراسية، ويجب أن يكون لهم صوت في أي تغيير. بدون هذه الأسس سيظل التعليم الأردني أسيراً لفوضى القرارات والترقيع السياسي، وسيبقى الطلاب وأولياء الأمور في دائرة من القلق وعدم الاستقرار، وستبقى لجان التربية النيابية تعقد اجتماعاتها في جو من "اللغط والفوضى"، لا تخرج عن قرارات مرتجلة لا تعالج جوهر المشكلة. ومجلس النواب ممثلاً لشعب الأردن مطالب اليوم بأكثر من مجرد إدارة "الفوضى" أو امتصاص الغضب, إنه مطالب بأن يكون صوتاً للعقل والحكمة، وأن ينتقل من دور "الترقيع" إلى دور "الإصلاح الحقيقي".التعليم هو الاستثمار الأهم في مستقبل أي وطن، كل قرار يُتخذ في هذا الملف يجب أن يكون مدروساً بعناية، ومنفذاً بحكمة، ومقيماً بدقة. لكن ما نراه اليوم هو العكس تماماً: قرارات متسرعة، وتجارب على حساب الطلاب، وترقيع سياسي، وغياب للمختصين، ومجلس نيابي يصف اجتماعاته بالفوضى واللغط بدلاً من أن يكون منصة للإصلاح الجاد. المواطنون ينتظرون من لجنة التربية النيابية ووزير التربية أن يعملوا معاً من أجل إصلاح حقيقي لا من أجل "امتصاص غضب" , وهذا الإصلاح يبدأ بالاعتراف بأن النظام الحالي يعاني من عيوب جذرية، ويبدأ بتشكيل هيئات استشارية تضم أفضل العقول التربوية في الأردن، ويبدأ بوضع خطة وطنية للتعليم تخرج عن إطار "الوزير الحالي" إلى إطار "الأجيال القادمة" . فإما أن نصلح أو نظل في دوامة "الفوضى واللغط" التي وصفها النائب الرعود، والتي سرعان ما ستعاود الظهور مع أول أزمة جديدة، ومع أول قرار مرتجَل آخر, . ومجلس النواب الأردني الذي يفترض أن يكون حامياً لمصالح الشعب ومستقبل أبنائه، فهو مطالب اليوم بأن يضع حداً لهذا العبث وأن يكون جزءاً من الحل لا جزءاً من "الفوضى".في مجلس النواب.. التوجيهي الأردني بين الترقيع السياسي وغياب المختصين
مدار الساعة ـ