أيّ المزاجين أهم للدولة الأردنية، المعارضة الحزبية التقليدية أم المزاج الشعبي الناقد..؟
الأمر البديهي، أن المستوى الرسمي في الدولة سيقول إنه معنيٌّ بالاثنين معاً، ويهمه أن يقف على مزاجيهما، وكيفية تشكلهما، وأسباب ذلك، وأن يعرف اتجاهاتهما، ومقدار التغييرات في وعيهما، وطرق وأنماط التفكير.أي أنه يضع المزاجين بنفس درجة الأهمية، ويعطيهما ذات الأولوية، وهذا قد يكون صحيحاً بنظره، لكن بتقديري أن في ذلك قدراً من الخطأ الذي ربما يولد تفاعلات خاطئة، تتجاهل حقيقة أن المزاج الشعبي يمكن أن يملك وجوداً مؤثراً وحاسماً في المجال العام، عندما تكون الأحزاب على هامشه.بهذا المعنى، يمكن أن نستنتج، من دون أن يساورنا أيّ شك، أن المزاج الشعبي الناقد، الذي يمكن أن يعبر عن نفسه في الفضاء السياسي بأدوات وطرق مختلفة (...) ما كان ليفعل ذلك لو أن الأحزاب كانت فاعلاً سياسياً، ومؤثراً حقيقياً، وقامت بما يفترض أنه دورها في التعبير، المجدي والمنتج، نيابة عنه.الدولة الرسمية، لا بد أنها تميز بين الأشياء وتعي جوهرها، وتدرك الفوارق بينها، فلهذا معنى كبير وأهمية في تفكيك أسباب الأزمات وتسويتها قبل أن تأخذ منحى مختلفاً.ما أقصده، بالإجمال، أن الدولة، بمفهومها الرسمي، أمام مستويين من المواقف؛ موقف معارضة حزبية تقليدية، وموقف شعبي ناقد، ولكل منهما أنماط تفاعلية متمايزة من دون تناقض حاد.حزبياً..في المستوى الأول: معارضة حزبية تقليدية ومحمولة على عقائد وأيديولوجيات، وتتنوع بين إسلامية وقومية ويسارية ووسطية.فهي، وإن كانت فاعلة ومؤثرة في الخمسينيات والستينيات، فإنها اليوم، باستثناء الإسلامية، في تراجع على مستوى الفعالية والحضور، ولا يبدو أنها تستطيع التأثير في السياسات العامة.حتى الأحزاب المصنفة وسطية، للآن، لم تستطع أن تملأ المساحة التي كان يفترض أن تشغلها؛ فحضورها وتأثيرها في المجال العام محدود للغاية.. وهذا يتعلق، حتماً، بالظروف والأسباب التي أدت إلى إنشائها.إن نظرة متفحصة لحضور الأحزاب في البرلمان، وإذا ما استثنينا حزب الأمة، كافية لتقول لنا إن البرلمان يعاني فراغاً حزبياً.ما يعنيه هذا، أن الأحزاب، مع الاستثناء، تملك صوتاً لكنها لا تملك تأثيراً قوياً، وتملك يافطة فكرية سياسية ولا تملك حاملاً جماهيرياً كبيراً، ركزت وجودها في العاصمة وعزلت نفسها عن الأطراف.لذلك أصبحت الأحزاب، عدا "الأمة"، على هامش الفعل السياسي ومنفصلة عن الشعبي الذي لم يعد يراها خياراً يعبر عنه.ولهذا أسباب ذاتية أساسها جمود الحالة الحزبية وقلة الاهتمام بتطوير برامجها وأدواتها.. وأسباب موضوعية تتعلق بتضييقٍ تراكمي للمجال العام، أكان بالقوانين أو التوجهات السياسية.شعبياً..أما المستوى الآخر، فهو المزاج الشعبي الناقد غير المؤطر، وهذا، بقناعتي، المستوى الأهم، والأكثر حاجة لاهتمام جاد من الدولة.أهميته أنه لا يتشكل داخل الأطر الحزبية، لأنه لا يرى معظمها قناة كافية للتعبير عنه، ولا حتى تحركه أفكار عقائدية أو أيديولوجية، حتى لو تأثر بها.فالذي يحركه، أساساً، وعيه بظروفه المعيشية الصعبة، وتقييماته السلبية لأداء الدولة الاقتصادي والسياسي، وملاحظاته على أداء الإدارة العامة في طريقة معالجتها للمشكلات.هذا المزاج يطور بنمط تراكمي وعياً تصاعدياً يعبر عن نفسه همساً، لكنه في أحوال معينة وضاغطة يظهر تعبيرات مشحونة نرصد بعض ملامحها على وسائل التواصل الاجتماعي.ما الذي يعنيه ذلك للمرجعيات الرسمية..؟الذي يعنيه أن على الدولة بما تملكه من أدوات استشعار، وقدرات على الاستشراف، أن تكون واعية بهذا المزاج، ومدركة لطبيعة تفاعلاته، ومعنى هذه التفاعلات.فالمزاج الأهم، ليس هو المزاج الذي تبدو عليه الأحزاب التقليدية، بل المزاج الشعبي العام، فالدولة تستطيع بسهولة أن تقرأ أفكار الأحزاب ومواقفها واتجاهاتها من بياناتها وتصريحاتها وأن تحاورها وتتفاوض معها، لكن أفكار الناس كامنة في نفوسهم، لا يعبَّر عنها لا ببيانات ولا بتصريحات.وما ينعكس على منصات ووسائل التواصل الاجتماعي قليل من هذا المزاج، وهذا القليل، بطبيعة الحال، ليس بسيطاً أو هيناً، فله أهميته وقيمته في قياس المزاج العام، واستكشاف اتجاهاته وميوله.إن فهم هذا المزاج وتلمُّس بواعثه ضرورة، لا لمعالجته أمنياً، وإنما للاشتباك معه سياسياً واقتصادياً.. وبما يستجيب لمطالب الناس ويأخذ همومهم بالجدية الكافية كمقدمة لاستعادة ثقتهم.ومن الأهمية بمكان حاجة الدولة إلى أن تدرك أن لها مصلحة بوجود حياة حزبية، وحتى نقابية وبرلمانية، قوية وفاعلة، ليس بوصفها مجرد تعبيرات تفرضها شروط الديمقراطية فقط، وإنما بوصفها القناة الوسيطة المؤطرة التي يعبُر منها المزاج الشعبي وما يمثله إلى مستويات القرار.وهنا يبرز سؤال معلَّق برسم الإجابة: كيف نوفر حياة حزبية وبرلمانية ونقابية تثري الحياة السياسية وتتحمل جزءا من المسؤولية وتشارك بفاعلية في مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية؟ ونقفز هنا عن سؤال من المسؤول عن غياب أو ضعف الأحزاب والبرلمان والنقابات وسائر مؤسسات المجتمع المدني..والمعنى، أن المزاج الشعبي لا ينتهي، إلا أنه إذا ما وجد أحزاباً قوية، لا ضعيفة، تمثله وتؤثر في قرار الدولة، سيرمي بأثقاله عليها.. والدولة أسهل عليها أن تتعامل مع أطر منظمة لا مع مزاج شعبي يصعب تفسيره وضبطه والتحكم به.ختاماً، إذا كان سؤال المزاج العام وإجابته في الأحوال الطبيعية ضرورة لفهم تفاعلات البيئة السياسية الداخلية، فإن هذه الضرورة تصبح أشد، وأكثر إلحاحاً، عندما نضيف إليها اضطراباً إقليمياً مفتوحاً وضع الأردن، من دون إرادة منه، وسط حلقة من نار.ففي ظرف كهذا لا تُعدُّ قراءة كوامن المجتمع ترفاً سياسياً، بقدر ما هي جزء من حماية الاستقرار، ومنع تسلل الأزمات إلى مجاله العام.