مدار الساعة -تتجه أنظار الأسواق العالمية هذا الأسبوع إلى منتدى "جاكسون هول" الاقتصادي، الذي يعقد في ولاية وايومنغ الأمريكية.
وتترقب الأسواق كلمة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفن وارش، في أول مشاركة له في المنتدى منذ توليه رئاسة البنك المركزي في مايو/أيار الماضي.ويكتسب المنتدى هذا العام أهمية استثنائية، ليس فقط لأنه أول ظهور كبير لوارش أمام كبار مسؤولي البنوك المركزية والمستثمرين والاقتصاديين، وإنما أيضًا بسبب حالة عدم اليقين التي تحيط بمسار السياسة النقدية الأمريكية، وارتفاع عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل، واستمرار التضخم فوق مستهدف الفيدرالي، إلى جانب تباين توقعات الأسواق بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة. ومن المقرر أن يعقد منتدى جاكسون هول خلال الفترة من 27 إلى 29 أغسطس/آب، بينما يلقي وارش كلمته الرئيسية يوم الجمعة 28 أغسطس/آب، وفقًا للأجندة الرسمية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. ورغم المكانة التي يحظى بها المنتدى حاليًا في الأسواق العالمية، فإن بدايته كانت مختلفة تمامًا، حيث انطلق عام 1978 بهدف دعم الاقتصاد الزراعي في منطقة كانساس، قبل أن ينتقل إلى منتجع جاكسون هول في وايومنغ عام 1982، ويتحول تدريجيًا إلى واحد من أهم اللقاءات السنوية لصناع السياسة النقدية حول العالم.ويجمع المنتدى نحو 120 مشاركًا من بينهم مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي ورؤساء البنوك المركزية العالمية ووزراء المالية والاقتصاديون والأكاديميون والمستثمرون، ويمنح صناع السياسة النقدية فرصة لعرض رؤاهم بشأن الاقتصاد والسياسة النقدية والتحديات التي تواجه الأسواق.ومع مرور الوقت، أصبح اسم "جاكسون هول" مرتبطًا باللحظات التي تبحث فيها الأسواق عن إشارات مبكرة بشأن اتجاه السياسة النقدية، حتى وإن لم يكن المنتدى في حد ذاته اجتماعًا لاتخاذ قرارات بشأن أسعار الفائدة، ما يجعل كلمة رئيس الفيدرالي تحت المجهر كل عام، فجملة واحدة بشأن التضخم أو سوق العمل أو أسعار الفائدة يمكنها إعادة تسعير السندات والدولار والأسهم والذهب.لماذا يترقب المستثمرون كلمة وارش؟تأتي مشاركة وارش في المنتدى هذا العام في توقيت شديد الحساسية، فمن ناحية، يواجه الفيدرالي ضغوطًا مرتبطة باستمرار التضخم فوق مستهدفه البالغ 2%، ومن ناحية أخرى تظهر مؤشرات على ضعف بعض جوانب الاقتصاد وسوق العمل، ما يجعل مهمة البنك المركزي أكثر تعقيدًا بين السيطرة على الأسعار والحفاظ على النمو والتوظيف.وفي اجتماع يوليو/تموز، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في نطاق 3.50% إلى 3.75%، بينما أظهر التصويت انقسامًا داخل اللجنة مع تصويت 3 أعضاء لصالح رفع الفائدة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل، ووصل عائد السندات لأجل 30 عامًا إلى مستويات مرتفعة، ما يزيد الضغوط على الأسواق ويجعل أي إشارة من وارش بشأن مستقبل السياسة النقدية ذات أهمية كبيرة للمستثمرين. ويزيد من أهمية الكلمة أن وارش اتخذ منذ توليه المنصب نهجًا أكثر تحفظًا في تقديم التوجيهات المستقبلية للأسواق، ما جعل المستثمرين أقل قدرة على استنتاج خطوات الفيدرالي المقبلة من تصريحات المسؤولين."جاكسون هول" بلا رسائل عن الفائدة؟المفارقة أن شعار المنتدى هذا العام هو "الابتكار المالي: التداعيات على المدفوعات والسياسة"، وهو عنوان لا يركز بصورة مباشرة على السياسة النقدية أو أسعار الفائدة. ويرى محللون، أن اختيار العنوان قد يعكس جزئيًا رغبة الفيدرالي في عدم تحويل المنتدى إلى منصة لإعلان اتجاه واضح بشأن أسعار الفائدة، لكن الأسواق لن تتعامل بالضرورة مع الكلمة بهذه الطريقة، فحتى إذا ركز وارش على موضوعات مثل الابتكار المالي والمدفوعات والتكنولوجيا، سيبحث المستثمرون عن أي إشارات تتعلق بالتضخم والنمو وسوق العمل وتوقعات أسعار الفائدة.ويقول استراتيجيون، إن السوق اعتاد التعامل مع جاكسون هول باعتباره نقطة يمكن أن يستخدمها الفيدرالي لتوجيه توقعات المستثمرين، ولذلك فإن امتناع وارش عن تقديم توجيهات واضحة قد يكون في حد ذاته رسالة للأسواق.وارش أمام اختبار صعبوقال أستاذ الاقتصاد الدولي المصري، كريم العمدة، إن أهمية مشاركة كيفن وارش في منتدى جاكسون هول ترجع بالأساس إلى أن الأسواق تحتاج إلى معرفة فلسفته في إدارة السياسة النقدية، خصوصًا أنه تولى رئاسة الفيدرالي في وقت تتداخل فيه عوامل التضخم والنمو والدين العام وأسعار الفائدة بصورة أكثر تعقيدًا.وأضاف لـ"العين الإخبارية"، أن وارش أمام اختبار حقيقي في جاكسون هول، لأن الأسواق لا تنتظر منه بالضرورة إعلانًا مباشرًا عن قرار الفائدة المقبل، لكنها تريد أن تفهم طريقة تفكيره وكيف سيوازن بين التضخم وسوق العمل والنمو.وأوضح العمدة، أن أهم ما يمكن أن يخرج به المستثمرون من كلمة وارش هو تحديد درجة تشدده تجاه التضخم، وما إذا كان يرى أن المستويات الحالية للأسعار تمثل مشكلة مؤقتة يمكن احتواؤها، أم أنها أصبحت أكثر رسوخًا وتحتاج إلى سياسة نقدية أكثر تشددًا.وأشار العمدة، إلى أن أي إشارة تميل إلى التشدد قد تؤدي إلى ارتفاع عوائد السندات ودعم الدولار، بينما الرسائل الأكثر مرونة قد تدفع الأسواق إلى زيادة توقعاتها بشأن خفض الفائدة، ما سينعكس على الأسهم والذهب والعملات والأسواق الناشئة.ويرى أستاذ الاقتصاد الدولي، أن المشكلة الأساسية أمام الفيدرالي حاليًا هي الحفاظ على مصداقيته، لأن ترك التضخم لفترة طويلة فوق المستهدف مع إعطاء انطباع بأن خفض الفائدة أصبح قريبًا قد يرفع تكلفة السيطرة على الأسعار لاحقًا.الأسواق ستقرأ ما يقوله وارش وما لا يقولهمن جانبه، قال الخبير الاقتصادي المصري رشاد عبده، إن الأسواق العالمية تضع كلمة رئيس الفيدرالي في صدارة الأحداث الاقتصادية هذا الأسبوع، لأن أهمية جاكسون هول لا ترتبط فقط بما سيعلنه وارش، وإنما أيضًا بما قد يتجنب الحديث عنه.وأضاف لـ"العين الإخبارية"، أن المستثمرين في الوقت الحالي يبحثون عن أي إشارة تساعدهم على معرفة اتجاه الفائدة الأمريكية، خصوصًا أن هناك تضاربًا بين مخاوف التضخم والضغوط الموجودة على الاقتصاد وسوق العمل.وأوضح أن وارش إذا اختار عدم إعطاء توجيهات مستقبلية واضحة، فإن الأسواق ستضطر إلى الاعتماد بدرجة أكبر على البيانات الاقتصادية، مثل التضخم والوظائف والإنفاق الاستهلاكي، لتحديد توقعاتها بشأن اجتماع سبتمبر.وأشار عبده، إلى أن أي لهجة متشددة من رئيس الفيدرالي ستعني أن البنك مستعد للإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول وربما التشدد أكثر إذا تطلب الأمر، وهذا سينعكس مباشرة على تكلفة الاقتراض وعلى الدولار والأسواق الناشئة.وفي المقابل، يرى أن أي إشارة إلى أن تباطؤ الاقتصاد أو سوق العمل أصبح أكثر أهمية في حسابات الفيدرالي قد تعيد الحديث عن خفض الفائدة، وهو ما سيكون له تأثير إيجابي على أسواق الأسهم والذهب، لكنه قد يضغط على الدولار.عوائد السندات تكشف ما تفكر فيه الأسواقوفي ظل غياب التوجيهات الواضحة من الفيدرالي، أصبحت تحركات سوق السندات واحدة من أهم الإشارات التي يراقبها المستثمرون، فقد ارتفعت عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل بصورة ملحوظة منذ اجتماع الفيدرالي في يوليو/تموز، ما يعكس قلق المستثمرين بشأن التضخم والدين العام وتكاليف الاقتراض، إلى جانب عدم وضوح اتجاه السياسة النقدية.وتشير هذه التحركات إلى أن المستثمرين يطلبون عائدًا أكبر للاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل، سواء بسبب توقع استمرار التضخم أو بسبب المخاوف المتعلقة بحجم الدين الأمريكي والاحتياجات التمويلية للحكومة.ويرى محللون، أن ارتفاع العوائد يمثل تحديًا إضافيًا لوارش، لأن أي إشارة من الفيدرالي إلى سياسة أكثر تيسيرًا قد لا تكون كافية وحدها لخفض عوائد السندات إذا استمرت المخاوف بشأن التضخم والدين العام.ماذا يعني ذلك للدولار والذهب والأسواق الناشئة؟لن تتوقف تداعيات كلمة وارش عند سوق السندات الأمريكية، فالدولار سيكون من أكبر الأصول التي ستتأثر بأي تغير في توقعات أسعار الفائدة، إذ إن ارتفاع احتمالات تشديد السياسة النقدية يدعم العملة الأمريكية، بينما يؤدي تزايد توقعات خفض الفائدة عادة إلى الضغط عليها.أما الذهب، فقد يستفيد من أي تحول نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا وانخفاض في العوائد الحقيقية، في حين قد يتعرض لضغوط إذا خرج وارش برسالة أكثر تشددًا بشأن التضخم والفائدة. وتمتد التأثيرات كذلك إلى الأسواق الناشئة، التي تتأثر بصورة مباشرة بتحركات الدولار وتدفقات رؤوس الأموال العالمية وتكلفة التمويل الخارجي.وبالتالي، فإن المستثمرين في الأسواق الناشئة لن يراقبوا كلمة وارش لمعرفة مصير الفائدة الأمريكية فقط، وإنما لمعرفة اتجاه السيولة العالمية خلال الفترة المقبلة.جاكسون هول.. اختبار أول لعهد وارشفي النهاية، يدخل كيفن وارش منتدى جاكسون هول في لحظة لا تبحث فيها الأسواق عن قرار فوري بقدر ما تبحث عن "فهم" لطريقة عمل رئيس الفيدرالي الجديد، فوارش الذي تولى منصبه في مايو الماضي يواجه اقتصادًا أمريكيًا تتعايش فيه معدلات تضخم أعلى من المستهدف مع مخاوف بشأن النمو وسوق العمل، بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات وتزايد القلق بشأن الدين العام. ولهذا، فإن أهمية جاكسون هول 2026 قد لا تكون في إعلان خفض أو رفع للفائدة، وإنما في رسم الملامح الأولى لسياسة وارش وكيفية تعامله مع الأسواق. وبينما يحاول المستثمرون قراءة كلماته، ستتم قراءة نبرته أيضًا: ماذا قال؟ وماذا لم يقل؟ وهل قدم تصورًا واضحًا للتضخم والفائدة؟ أم ترك الأسواق تنتظر البيانات المقبلة؟وفي كل الأحوال، ستكون كلمة وارش يوم الجمعة 28 أغسطس/آب واحدة من أكثر الكلمات متابعة في الأسواق العالمية، وقد تمثل أول اختبار حقيقي لقدرته على إدارة توقعات المستثمرين واستعادة وضوح السياسة النقدية الأمريكية.الأنظار تتجه نحو 'جاكسون هول'.. الاختبار الأول لرئيس الفيدرالي كيفن وارش
مدار الساعة ـ











