مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الدروبي يكتب: نذير عبيدات.. قيادةٌ أكاديميةٌ تُعيد تعريف النجاح المؤسسي


عبدالله الدروبي

الدروبي يكتب: نذير عبيدات.. قيادةٌ أكاديميةٌ تُعيد تعريف النجاح المؤسسي

مدار الساعة ـ

يجب أن نذكر في فاتحة الحديث أن المؤسسات العريقة لا تنهض بكثرة مواردها، ولا بطول عمرها، وإنما تستمد قوتها من نوعية القيادات التي تتولى توجيهها، ومن قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، والرؤى إلى إنجازات، والطموحات إلى واقعٍ ملموس. وغنيٌّ عن البيان أن القيادة المؤسسية في عصرنا لم تعد تقتصر على إدارة الأعمال اليومية، وإنما أصبحت صناعةً للمستقبل، وبناءً لرأس المال البشري، وترسيخاً لثقافةٍ مؤسسيةٍ تجعل التطوير نهجاً دائماً لا استجابةً ظرفية.

ومن هذا الوجه، تبرز تجربة معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات بوصفها نموذجاً لقيادةٍ تشكلت في ميادين العلم والبحث قبل أن تتبوأ مواقع المسؤولية العامة. فقد استقر في وجدانه أن المعرفة هي أساس النهضة، وأن الجامعة ليست مؤسسةً تمنح الشهادات فحسب، بل هي مصنعٌ للعقول، وبيتٌ للخبرة، وحاضنةٌ للابتكار، وشريكٌ أصيل في صناعة مستقبل الوطن.

وقد يكون من الجدير بالذكر أن المسيرة المهنية لمعاليه لم تكن وليدة المصادفة، وإنما جاءت ثمرة سنواتٍ طويلة من العمل الأكاديمي والطبي، تدرج خلالها في مختلف المواقع العلمية والإدارية، حتى تولى عمادة كلية الطب، ثم حمل مسؤولية وزارة الصحة في مرحلةٍ كانت من أكثر المراحل تعقيداً في التاريخ الصحي الحديث، قبل أن يتولى رئاسة الجامعة الأردنية، أعرق الجامعات الأردنية، وأكثرها حضوراً وتأثيراً في إعداد القيادات الوطنية.

ولا يخفى على ذي بصيرة أن تولي المسؤولية في الظروف الاعتيادية يختلف كل الاختلاف عن تحملها في أوقات الأزمات. فقد جاءت مسؤولية وزارة الصحة متزامنةً مع جائحة عالمية فرضت على صناع القرار اتخاذ إجراءات استثنائية في ظل معطياتٍ متغيرة، الأمر الذي اقتضى الجمع بين الرؤية العلمية، والقدرة على إدارة المخاطر، وتحمل المسؤولية الوطنية بكل ما تفرضه من تحديات. ومن تأمل ذلك حق التأمل، بان له أن القيادة في مثل تلك الظروف لا تقاس بسلامة القرار فحسب، وإنما بقدرتها على المحافظة على الإنسان، بوصفه الثروة الحقيقية لأي دولة.

وعند إمعان النظر في تجربته على رأس الجامعة الأردنية، يستبان أن المشروع لم يكن مشروع إدارةٍ تقليدية، وإنما مشروعاً مؤسسياً متكاملاً يقوم على تطوير البيئة الأكاديمية، وتعزيز البحث العلمي، والانفتاح على الجامعات العالمية، وترسيخ ثقافة الجودة والاعتماد، انطلاقاً من قناعةٍ راسخة بأن الجامعة الحديثة ينبغي أن تكون منتجاً للمعرفة، لا مستهلكاً لها، وقاطرةً للتنمية الوطنية، لا مؤسسةً تعليميةً منعزلة عن محيطها.

ولا بد من الإشارة في هذا المضمار إلى أن الإدارة الرشيدة لا تقاس بالإنجازات العلمية وحدها، وإنما بقدرتها على تحقيق الاستدامة المالية، وصيانة موارد المؤسسة، وتعزيز كفاءة الإنفاق فيها. ومن هذا الباب نذكر أن الجامعة الأردنية شهدت في عهد معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات تحولاً مالياً لافتاً، إذ انخفضت مديونيتها من أكثر من ثلاثين مليون دينار إلى مستويات قاربت الصفر، وهو ما يعكس نهجاً إدارياً يقوم على الحوكمة الرشيدة، وترشيد النفقات، وتعظيم الموارد، وإدارة المال العام بمسؤوليةٍ وكفاءة، الأمر الذي أرسى دعائم مؤسسةٍ أكثر قدرةً على مواصلة رسالتها الأكاديمية والبحثية.

ومما يحسن التنبيه عليه أن الجامعات الكبرى لا تُقاس بعدد طلبتها، ولا بضخامة مبانيها، وإنما بما تنتجه من معرفة، وما تقدمه من حلول، وما ترفد به المجتمع من كفاءاتٍ قادرة على الإبداع والابتكار. ومناط ذلك أن الجامعة التي تجعل البحث العلمي محورًا لرسالتها تصبح أكثر قدرةً على خدمة الاقتصاد الوطني، وأكثر إسهاماً في رسم السياسات العامة، وتعزيز تنافسية الدولة في عالمٍ أصبحت فيه المعرفة المورد الأكثر قيمة.

وفضلاً عن ذلكم المنحى، فإن تجربة معالي الدكتور نذير عبيدات أبرزت أهمية المواءمة بين الانضباط الإداري والانفتاح الأكاديمي، إذ إن المؤسسات الناجحة لا تُدار بالقرارات المجردة، وإنما بثقافةٍ مؤسسية تؤمن بالعدالة، والشفافية، والكفاءة، والمساءلة، وتمنح أصحاب الكفاءة الفرصة للإبداع والتميز. وهو ما تشهد له القرائن، وتؤيده الشواهد في مختلف المؤسسات الجامعية الرائدة حول العالم.

ويرى الفاحص لمسيرة التعليم العالي أن الجامعات التي تتبنى رؤيةً استراتيجية واضحة تكون أكثر قدرةً على استشراف المستقبل، واستيعاب التحولات العالمية، وتطوير برامجها الأكاديمية بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل، ومتغيرات الاقتصاد المعرفي. ومقتضى ذلك أن الاستثمار في الإنسان يظل الاستثمار الأكثر استدامة، لأنه الاستثمار الذي تتولد عنه بقية أشكال التنمية.

ومن الجلي للناظر أن المكانة العلمية لأي جامعة لا تُبنى في سنواتٍ معدودة، وإنما هي حصيلة عملٍ مؤسسيٍ متواصل، تتكامل فيه الرؤية مع التخطيط، والطموح مع التنفيذ، والقيادة مع العمل الجماعي. وتأسيساً على ما سبق، فإن المحافظة على المكانة التاريخية للجامعة الأردنية وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي تمثل مسؤوليةً وطنيةً تتجاوز حدود الحرم الجامعي، لأنها ترتبط بصورة الأردن العلمية، وبقدرته على المنافسة في عالمٍ أصبحت المعرفة فيه أساس القوة والتقدم.

ومن النتائج اللافتة لهذا الموضوع أن الأثر الحقيقي للقيادات لا يقف عند حدود الإنجازات الآنية، وإنما يمتد إلى الثقافة المؤسسية التي تتركها خلفها، وإلى المنهج الذي يستمر بعد انتهاء المسؤولية. ولا مرية في أن المؤسسات التي تُبنى على أسسٍ راسخة تظل قادرةً على مواصلة مسيرتها، لأنها تستند إلى منظومةٍ من القيم، لا إلى جهود الأفراد وحدهم.

وقبل الختام، يحسن ألا ننسى أن الوطن لا يتقدم إلا بقياداتٍ تؤمن بأن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفاً، وأن بناء الإنسان هو المدخل الحقيقي لبناء الدولة، وأن الجامعات ستبقى الحاضنة الأولى للعقول، والمختبر الذي تُصنع فيه الأفكار، والمنطلق الذي تبدأ منه مسيرة النهضة الوطنية.

وخلاصة ما انتهى إليه النظر أن تجربة معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات تقدم نموذجاً لقيادةٍ جمعت بين الرؤية العلمية، والإدارة الرشيدة، والانضباط المؤسسي، والإيمان العميق برسالة الجامعة الوطنية. وأختم هذا المقال برأيٍ شخصي أتحمل مسؤوليته كاملة؛ فالأردن يحتاج إلى قياداتٍ أكاديمية تمتلك هذا النهج، وإذا ما قُدِّر لجامعاتنا أن تضم ثلاثة رؤساء جامعات يحملون الفكر الإداري ذاته الذي تبناه معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، فإنني على يقين بأن قطاع التعليم العالي الأردني سيشهد نقلةً نوعيةً غير مسبوقة، تعزز مكانته الإقليمية والدولية، وتعيد للجامعة دورها الأصيل بوصفها مصنعاً للعقول، ومنارةً للعلم، ورافعةً للتنمية الوطنية، وإرثاً حضارياً تتوارثه الأجيال.

مدار الساعة ـ