مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو الراغب يكتب: المسؤولية الأدبية.. عندما يكون الضمير أعلى من القانون


المحامي طارق ابو الراغب
مدير عام هيئة الإعلام السابق

أبو الراغب يكتب: المسؤولية الأدبية.. عندما يكون الضمير أعلى من القانون

المحامي طارق ابو الراغب
المحامي طارق ابو الراغب
مدير عام هيئة الإعلام السابق
مدار الساعة ـ

ليست كل مسؤولية يُحاكم عليها القضاء، وليست كل مساءلة تنتهي بحكم قضائي. فهناك نوع أرقى من المسؤولية، لا تفرضه النصوص بقدر ما تفرضه قيم القيادة وأخلاقيات المنصب العام، وهي المسؤولية الأدبية؛ ذلك المبدأ الذي يجعل المسؤول يتحمل نتائج أعمال المؤسسة التي يقودها، حتى وإن لم يكن مرتكبًا للفعل أو مشاركًا فيه.

لقد استقر الفقه الدستوري الحديث على التمييز بين المسؤولية القانونية، والمسؤولية السياسية، والمسؤولية الأدبية. فالمسؤولية القانونية تقوم على وجود نص قانوني تمت مخالفته، ولا تثبت إلا بالأدلة والإجراءات القضائية، ويترتب عليها جزاء قانوني محدد. أما المسؤولية السياسية، فهي مسؤولية المسؤول أمام السلطة التشريعية والرأي العام عن سياسات مؤسسته ونتائجها، وقد تنتهي بحجب الثقة أو الإقالة أو الاستقالة. بينما تمثل المسؤولية الأدبية أعلى درجات الالتزام الأخلاقي، إذ تقوم على شعور القائد بأن المنصب ليس امتيازًا، بل التزامًا كاملاً بتحمل نتائج النجاح والإخفاق معًا.

ومن هنا نشأ في الأنظمة البرلمانية مبدأ المسؤولية الوزارية، الذي يعد أحد أهم ركائز الحكومات الديمقراطية. فالوزير لا يسأل فقط عن قراراته الشخصية، بل عن أداء وزارته بأكملها، كما يتحمل رئيس الوزراء المسؤولية السياسية والأدبية عن أداء الحكومة مجتمعة. وهذا المبدأ لا يقوم على افتراض الذنب، وإنما على وحدة المسؤولية ووحدة القيادة، لأن من يملك سلطة التوجيه والرقابة لا يستطيع التنصل من نتائجها.

وقد شهدت الديمقراطيات العريقة تطبيقات عديدة لهذا المبدأ؛ إذ استقال رؤساء حكومات ووزراء في دول مثل المملكة المتحدة واليابان وألمانيا وكندا ودول الشمال الأوروبي، رغم عدم إدانتهم بأي جرم، وإنما احترامًا لمبدأ المسؤولية العامة، وإقرارًا بأن بقاء الثقة بالمؤسسات أهم من بقاء الأشخاص في مناصبهم. فالقيمة الحقيقية للاستقالة في هذه الحالات ليست الاعتراف بالفساد، وإنما تأكيد أن المنصب العام يقترن بالمحاسبة قبل الامتياز.

إن المسؤولية الأدبية لا تعني أن المسؤول مذنب قانونيًا، كما أنها لا تنشئ مسؤولية جزائية أو مدنية بمجرد وقوع الخطأ. لكنها تؤكد أن القيادة لا تتجزأ، وأن من يقبل قيادة مؤسسة عامة يقبل ضمنًا تحمل نتائج أعمالها، سواء أكانت تلك النتائج ثمرة نجاح أم حصيلة تقصير.

وفي الإدارة الحديثة، أصبحت المسؤولية الأدبية معيارًا لجودة القيادة. فالقائد الحقيقي لا يبحث عن شماعات يعلق عليها الأخطاء، ولا يختبئ خلف مرؤوسيه عند الأزمات، بل يقف في مقدمة الصفوف لتحمل النتائج، ثم يعود ليعالج الخلل ويحاسب المقصر وفق القانون. ولهذا قيل إن الإدارة الناجحة لا تُقاس بعدد القرارات التي يصدرها المدير، وإنما بقدرته على تحمل مسؤولية نتائجها.

أما في الأنظمة البرلمانية، فإن المسؤولية الأدبية تكتسب بعدًا دستوريًا؛ فهي تشكل الأساس الأخلاقي للمسؤولية السياسية أمام البرلمان، حتى وإن لم ينص عليها الدستور صراحة. فالنصوص تحدد آليات المساءلة، لكن الأعراف الدستورية هي التي تمنح تلك الآليات روحها، وتجعل من الاستقالة أو الاعتذار أو تحمل المسؤولية سلوكًا سياسيًا راقيًا، لا هزيمة شخصية.

إن الدول التي ترسخت فيها ثقافة المسؤولية لم تصل إلى ذلك بكثرة القوانين، وإنما بإعلاء قيمة القدوة. فحين يعلم الموظف أن مديره سيتحمل مسؤولية التقصير، يصبح أكثر التزامًا. وحين يدرك الوزير أن أداء وزارته سينعكس عليه شخصيًا، يزداد حرصه على الرقابة والحوكمة والشفافية. وهكذا تتحول المسؤولية الأدبية من قيمة أخلاقية إلى أداة فعالة لإصلاح الإدارة وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

وفي المقابل، فإن غياب هذه الثقافة يفضي إلى ظاهرة خطيرة، وهي توزيع المسؤولية حتى تضيع، فيصبح الخطأ بلا مسؤول، والإخفاق بلا محاسبة، بينما تستمر المؤسسات في فقدان ثقة المجتمع بها. وعندما يغيب الشعور بالمسؤولية الأدبية، تتحول المناصب إلى امتيازات، لا إلى تكاليف وطنية.

إن المسؤولية الأدبية ليست نصًا قانونيًا يُفرض بالإكراه، وإنما ميثاق شرف يلتزم به من اختار خدمة الناس. وهي ليست دليل إدانة، بل دليل نضج سياسي وإداري. فالقانون يحاسب على الأفعال، أما الضمير فيحاسب على الواجب.

ولهذا، فإن الدول التي تسعى إلى بناء مؤسسات قوية لا تكتفي بترسيخ سيادة القانون، بل تعمل أيضًا على ترسيخ ثقافة المسؤولية الأدبية، لأن القانون يحمي الدولة، أما المسؤولية الأدبية فتحمي ثقة الناس بها، والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي نظام سياسي وإداري يسعى إلى الاستمرار والنجاح.

مدار الساعة ـ