أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

شطناوي يكتب: الأردن 2030.. هل لدينا رؤية؟ أم مجرد شعارات؟

مدار الساعة,أخبار اقتصادية,البنك المركزي
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب أ.د. نورس شطناوي -

نصت خطة الأردن 2030 على استيعاب مليون شاب وشابة في سوق العمل خفضًا للبطالة، وزيادة الدخل الفعلي للفرد بنسبة 3% سنويًا في المتوسط، ورفع ترتيب الأردن في مؤشرات عالمية هامة (مثل مؤشر التنافسية العالمي إلى أعلى 30% ومؤشر الأداء البيئي إلى أعلى 20%). كما تضمنت الأهداف تطوير البنية التحتية وتحسين جودة الحياة (مثلاً الوصول إلى 80% من الرضا عن مستوى المعيشة)، وتحديث التشريعات لتعزيز الاستثمار والشراكة بين القطاعين العام والخاص. بعبارة أخرى، رسم المخططون رؤية طموحة لاقتصاد أكثر نشاطًا وشمولاً وتأثيرًا إقليميًا، مع ضمان نمو مستدام يرتقي بمؤشرات رفاهية المواطنين. غير أن الأرقام الأخيرة لا تلامس هذه الطموحات، فعلى الصعيد الاقتصادي نما الناتج المحلي الحقيقي للأردن بنحو 2.8% في عام 2025، وهو معدل أدنى بقليل من نسبة 3% المستهدفة لكل فرد. وكان ذلك ناتجًا عن نمو نسبي في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات حسب البنك الدولي. وفي سوق العمل، سجل معدل البطالة في الربع الرابع 2025 حوالي 16.1%، وهو رقم متدنٍّ عن السابق لكنه ما زال مرتفعًا مقارنة بالمستهدف. وأظهرت بيانات البنك الدولي والبنك المركزي والمؤسسات الرسمية أن البطالة بين النساء تفوق 30%، وارتفعت مشاركة القوى العاملة نسائيًا إلى نحو 14%، ما يعكس فجوة بنيوية في امتصاص سوق العمل المحلية. هذه القيم العملية تضعف من إمكانية تحقيق هدف استيعاب مليون شاب، خاصة إذا استمر النمو الاقتصادي بمعدل أقل من المستهدف.

على صعيد آخر، لا يبدو أن مؤشرات التطور في مجالات أخرى قد تحسنت بشكل ملحوظ. فالترتيب العالمي للأردن في التنافسية والأعمال ظل متدنيًا رغم بعض التحسن الطفيف (بلغت قيمة مؤشر التنافسية العالمية 57.8 نقطة في 2025 مقابل 55.5 في 2024)، ولم يتم الإعلان عن أي مدينة أردنية ضمن أفضل 100 مدينة عالميًا كما كان مأمولًا. ومما زاد الوضع صعوبة، أن تقييمًا مستقلًا من ANERA قدّر نسبة الفقر الإجمالي في الأردن عند 16% عام 2024. تجدر الإشارة إلى أن هذه النسب لا تشمل اللاجئين السوريين الذين يعانون من معدلات فقر أعلى بكثير قد تصل الى حوالي 80%. كل ذلك يُظهر أن مؤشرات الرفاه الاقتصادي والاجتماعي للأسرة الأردنية لم تشهد تحسّنًا جليًا حتى الآن على الرغم من الأرقام الكبيرة التي رُفعت في الخطط.

تعمل خطة 2030 أيضًا على تشجيع الاستثمار والقطاع الخاص بشكل كبير، وقد أقرّ المشرّع قوانين جديدة لتحفيز الاستثمار والشراكة بين القطاعين. وقد أعلنت الحكومة مؤخرًا أنها حققت إنجازات كبيرة في رقمنة الخدمات وتعديل الأطر التشريعية (كقانون الاستثمار وقانون الشراكة). إلا أن الواقع يشير إلى بطء الاستجابة: فالتدفقات الاستثمارية الأجنبية لم ترتق إلى طموحات الخطة، والقطاع الخاص يشكو من تحديات إدارية وبيروقراطية، رغم تصريحات رسمية بأن نسبة المشاريع الحكومية الرأسمالية المنفذة بلغت مستويات قياسية (96% تنفيذ في 2025). بمعنى آخر، ثمة تناقض واضح: الأرقام الرسمية تشير إلى تنفيذ مالي نشط، لكن الأسواق والمستثمرين لم يشعروا بتحسن كبير في المناخ الاقتصادي أو فرص النمو.

تتفق معظم التحليلات المستقلة على وجود عوامل عدة تقف خلف هذه الفجوة بين التخطيط والتطبيق. سياسيًا، يُنْتقد استمرار الدوامات الحكومية وكثرة التغييرات الوزارية التي تعيد ضبط أولويات خطة التنمية. مؤسسيًا، تعاني بعض الأجهزة من البيروقراطية وضعف التنسيق، وفي بعض الأحيان وجود اتجاهات متضاربة بين الوزارات. وثقافيًا، تعد مسألة الثقة والفساد من العقبات الكبيرة؛ فحوالي 70% من الأردنيين يعتقدون أن القرارات تُتخذ لمصلحة نخبة صغيرة، وهناك انتشار لمسميات المحسوبية والزبائنية في التوظيف الحكومي. كل ذلك يعطل الحافز السياسي لتطبيق الإصلاحات الشاملة ويشجع على التسويف وعدم المساءلة. من الناحية المالية، يُضاف إلى كل ما سبق عجز موازنة مزمن ودين عام مرتفع؛ فقد ظل الدين العام قرابة 90–110% من الناتج المحلي حسب أحدث التقديرات، الأمر الذي يجبر الحكومة على توجيه جزء كبير من موازنتها لسداد الفوائد والإنفاق الجاري، ما يحد من موارد المشاريع التنموية. تقرير دولي حديث لاحظ أن أداء الاقتصاد الأردني راكد ومحدود بالمنافسة مع ارتفاع العجز العام والديون وثبات البطالة على مستويات مرتفعة، وهو ما يؤكد أن المشاكل المالية مترابطة مع السياسية والمؤسسية.

إزاء هذا الواقع، يطرح الخبراء قائمة توصيات عملية قصيرة وطويلة المدى لصانعي القرار:

• على المدى القصير (1–2 سنة): ينبغي تكثيف الرقابة على تنفيذ المشاريع التنموية الحالية وضمان استخدام الموارد بكفاءة؛ مثلاً بإنشاء وحدة مستقلة لمتابعة الصرف والإنجاز المشترك بين القطاعين العام والخاص. كما يوصي المختصون بإعادة ترتيب أولويات الميزانية نحو المشاريع ذات الأثر المباشر على التشغيل والخدمات الأساسية (كالتعليم والصحة والبنية التحتية في المناطق المهمشة)، بدلًا من مشاريع خدمية ثانوية. بالإضافة إلى ذلك، يُحثّ على زيادة الشفافية من خلال نشر قواعد بيانات مفتوحة لموارد الخطة ووضع آلية إبلاغ دورية للمواطنين عن التقدم في كل قطاع.

• على المدى المتوسط والطويل (3–10 سنوات): يتوجب إدخال إصلاحات هيكلية أعمق. في الاقتصاد، يُنصح بتنويع قاعدة الإنتاج وتحفيز القطاعات الواعدة (مثل الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الزراعية والسياحة المستدامة)، عبر قوانين ضريبية وحوافز استثمارية مغرية، وربط التعليم بسوق العمل. مؤسساتيًا، يجب توطيد اللامركزية بمنح الحكام والمحافظين صلاحيات وموارد مالية أكبر لإدارة مشاريعهم محليًا، الأمر الذي قد يسرع التنفيذ ويقلل البيروقراطية. ومن الناحية السياسية، يطالب المراقبون بتقوية آليات المساءلة مثل تفعيل دور برلماني حقيقي في مراقبة تنفيذ الخطط وتقليل تأثير المحسوبية في التعيينات الحكومية، بتطبيق نظام معياري واضح في التوظيف بناءً على الكفاءة والنزاهة. أخيرًا، ينبغي الحفاظ على الاستقرار المالي عبر ضمان استدامة الدين العام (مع استكمال تحقيق فائض أولي) وتعزيز إيرادات الدولة بشكل شفاف، بحيث لا يبقى تحميل المواطنين عبء التمويل وحدهم.

في الختام، يجب على الجميع أن يستخلص العبرة ويشدّد على ضرورة المساءلة والشفافية. فكل ما أنجزته خطة 2030 حتى تاريخه لا يكفي مقارنةً بما وُعِد به الأردنيون. ولأن الدستور مسؤول عن السماع بشفافية، فقد أثبتت الوقائع أن وضع الخطط وحده لن يحقق التغيير. نهاية الأمر تعتمد على مدى إصرار القيادة على تحويل الأرقام إلى واقع ملموس، وعلى قدرة المجتمع على مطالبة المسؤولين بتفسير الفروق بين الخطط والإنجازات. فعلى الحكومة أن تُبرز للمواطنين جداول تنفيذ واضحة، وعلى المؤسسات الرقابية أن تتابع بدقة، وعلى الإعلام والمجتمع المدني أن يظلّا يقظين. إن وعود التنمية لن تتجاوز مستوى الشعارات إلا إذا رُسمت بخارطة طريق تنفيذية قابلة للقياس والمتابعة، مع تطبيق آليات رادعة لمن يعرقل التقدم. الأردن يحتاج اليوم إلى أكثر من خطة جميلة يحتاج إلى إرادة فولاذية وشفافية حقيقية تقود إلى النتائج المنشودة.


مدار الساعة ـ