مدار الساعة - بقلم: الشريفة نور بنت علي -
ليس السؤال اليوم: هل يحمل المسيء جواز سفر أردنياً أم لا؟ فالمسألة تجاوزت هذا الإطار بكثير. ففي هذا الزمن لم يعد هناك مجال للاختباء خلف ذريعة الرأي ورأي آخر، ولا لتبرير العدائية باسم الاجتهاد أو الاختلاف، خصوصاً حين تكون بعض الأفكار قد تشبعت من مراجع ومفاهيم صيغت أصلا للإساءة إلى الأردن أو لتهيئة كابوس الوطن البديل.إن الأردن، قيادةً وشعباً، لم يعرف يوماً إلا النهج الهاشمي الأردني القائم على التسامح، والانفتاح، وقبول الآخر بقلب كبير، والإيمان بأن القيم لا تُصاغ بالشعارات بل بالمواقف. ومن هذا المنطلق، نؤمن أن روح هذا الوطن لا تنفصل عن قيم رسالته الإنسانية؛ فنبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كان لاجئاً إلى المدينة، وكانت الهجرة بداية عدل وأمان واحتضان، لا بداية إقصاء أو كراهية. ولذلك فإن نهجنا الطبيعي، والواجب علينا، هو أن نبقى أوفياء لمعاني الكرامة والرحمة والإنصاف.غير أن ما يفضح كثيرين في هذا الزمن هو أنه لا مبرر حقيقي للعدائية تجاه الأردن وأهله، إلا أن تكون القلوب قد اسودت، أو أن يكون هناك تكريس ممنهج للكراهية. فمواقفنا ، كقيادة وشعب، لم تتبدل وهي ذاتها التي عبر عنها الأردن منذ انطلاقة الثورة العربية الكبرى وفاء، وعروبة، وصدق انتماء، وثبات على المبدأ.الأردن لا يُقاس بردود الإساءة، بل بثباته على قيمه. والأردنيون لا يردّون على الكراهية بالكراهية، بل بمزيد من الوعي والاتزان والإيمان بأن هذا الوطن، بما حمله من رسائل ومواقف وتضحيات، أكبر من أن تنال منه الأصوات العابرة.ومع ذلك، فإننا ، رغم كل ما نواجهه، لا تنحدر إلى مستوى الكراهية، ولا نرد الإساءة بإساءة ولا نغير أسلوب تعاملنا مع قضايا الوطن والأمة بناء على ذلك. لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه هؤلاء على أنفسهم بصدق هو من أين تأتي هذه الكراهية؟ وما الذي يدفع بعض النفوس إلى هذا القدر من العدائية تجاه وطن لم يتوقف يوماً عن أداء واجبه، ولم يتخل عن قيمه، ولم يساوم على مبادئه؟ إن من يتأمل بإنصاف سيرى أن المشكلة ليست في الأردن، بل في عيون أصيبت بالعتمة، وقلوب أغلق عليها حتى لم تعد ترى الحق كما هو.لقد حاول الأردن، قيادةً وشعباً، على امتداد أكثر من 110 أعوام، أن يبقى وفياً لنهج قيمي واضح نهج الدولة التي تؤمن بالقانون الدولي، وبأن الاستقرار الإقليمي لا يصنعه التحريض بل الاحترام المتبادل، ولا تبنيه الأكاذيب بل المواقف الصادقة. نعم، نحن نحتاج دائماً إلى أن نحسن كيف ننقل الصورة الحقيقية عنا للعالم لكن الوقائع نفسها شاهدة، والتاريخ نفسه يشهد، ومن لم ير ذلك فليس لأن الحجة غابت، بل لأن قلبه لم يشأ أن يبصر.ولعل ما يعبر عن نبض هذا الجيل، وعن حجم الغضب المشروع لدى الشباب اليوم هو شعورهم بأن هناك من يتعمد الافتراء على وطنهم وتشويه صورته. ومن هنا يأتي موقف الصحفي الشاب الأستاذ عبد السلام الزواهرة الذي لم يكتف بإيصال التجاوز إلى الجهات المختصة، بل رأى أيضاً أن يطرح علناً ما شعر بأنه تجاوز وافتراء ضد وطنه، لأن ما نعيشه اليوم ليس مجرد خلاف عابر ، بل معركة وعي وإعلام، ومعركة رواية وصورة وموقف ووجود واختبار من واحد احد سبحانه وتعالى. وفي مثل هذه المعارك، لا يكون الصمت فضيلة، بل يكون الوضوحواجباً والدفاع عن الحقيقة مسؤولية.


