أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بني سلمان تكتب: المخدرات.. الخطر الذي يلتهم المجتمعات بصمت


هبة بني سلمان

بني سلمان تكتب: المخدرات.. الخطر الذي يلتهم المجتمعات بصمت

مدار الساعة ـ

لم تعد المخدرات ظاهرة هامشية يمكن التعامل معها بوصفها انحرافات فردية، بل تحولت إلى أزمة عالمية متصاعدة تهدد الأمن الصحي والاجتماعي والاقتصادي للدول، وتستهدف بصورة مباشرة الفئات العمرية الأصغر سنًا، في مرحلة يُفترض أن تكون الأكثر إنتاجًا وبناءً للمستقبل. فوفق تقارير دولية حديثة، يتجاوز عدد متعاطي المخدرات حول العالم 296 مليون شخص، بزيادة تقارب 23% خلال العقد الأخير، فيما يُسجَّل سنويًا أكثر من نصف مليون حالة وفاة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بتعاطي المواد المخدرة.

هذه الأرقام لا تعكس مجرد حالات فردية، بل تكشف حجم النزيف البشري المستمر الذي تُصاب به المجتمعات، حيث تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الإدمان يعد من أبرز أسباب فقدان القدرة على العمل المبكر، وتراجع التحصيل الدراسي، وارتفاع معدلات الاكتئاب والانتحار، إضافة إلى ارتباطه الوثيق بجرائم العنف والسرقة والاتجار غير المشروع.

الأخطر من ذلك أن متوسط العمر الذي يبدأ فيه التعاطي عالميًا أصبح يتراوح بين 13 و15 عامًا في العديد من الدول، ما يعني أن المخدرات باتت تتسلل إلى المراحل الدراسية الأولى، وتفتك بقدرات الشباب العقلية والنفسية في عمر التكوين، الأمر الذي ينعكس على مستقبل القوى العاملة وعلى الاستقرار المجتمعي لعقود قادمة.

اقتصاديًا، تتكبد الحكومات خسائر فادحة نتيجة علاج الإدمان، وتكاليف إنفاذ القانون، وانخفاض الإنتاجية. وتشير تقديرات دولية إلى أن الخسائر العالمية المرتبطة بالمخدرات تتجاوز تريليون دولار سنويًا، تشمل الرعاية الصحية، والبطالة القسرية، وارتفاع معدلات الجريمة، والانهيارات الأسرية التي تنتج عنها أجيال تعاني من اضطرابات نفسية واجتماعية مزمنة.

ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن شبكات الجريمة المنظمة التي تدير واحدة من أخطر وأضخم الصناعات غير المشروعة في العالم، حيث تُستخدم أساليب حديثة للوصول إلى الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والترويج المقنّع، واستغلال الضغوط النفسية والفراغ والبطالة، في بيئة رقمية باتت فيها المواد المخدرة أسهل وصولًا من أي وقت مضى.

الضرر الصحي لا يقف عند حدود الإدمان، بل يمتد إلى تلف الدماغ، واضطرابات القلب، والفشل الكبدي والكُلوي، وضعف المناعة، والأمراض النفسية الحادة، إضافة إلى ارتفاع خطر الوفاة المفاجئة نتيجة الجرعات الزائدة. وتؤكد دراسات طبية أن المتعاطي المنتظم يفقد تدريجيًا قدرته على اتخاذ القرار السليم، وتضعف مهارات التركيز والانضباط، ما يجعله أكثر عرضة للحوادث الخطرة والسلوكيات العنيفة.

اجتماعيًا، تمثل المخدرات أحد أبرز أسباب التفكك الأسري، والعنف المنزلي، وتسرب الأبناء من التعليم، وتحول المنازل إلى بؤر ضغط نفسي دائم، حيث تعيش الأسر في دوامة من الخوف والاستنزاف المالي والانهيار العاطفي، بينما يدفع الأطفال الثمن الأكبر في بيئات غير مستقرة.

ورغم الجهود الأمنية والتشريعية التي تبذلها الدول، إلا أن المواجهة الحقيقية لا يمكن أن تقتصر على العقاب وحده، بل تتطلب استراتيجية وطنية شاملة قائمة على التوعية المبكرة، والدعم النفسي، وتعزيز مهارات الحياة لدى الشباب، وتوفير فرص حقيقية للعمل والاندماج الاجتماعي، إلى جانب تطوير برامج علاج وتأهيل إنسانيّة فعّالة تُعيد المتعافي إلى المجتمع كفرد منتج لا كحالة مُهمّشة.

إن أخطر ما في المخدرات أنها لا تُدمّر بشكل فجائي فحسب، بل تعمل ببطء منهجي على إضعاف الإنسان جسديًا ونفسيًا وفكريًا، حتى يتحول من طاقة بناء إلى عبء صحي واجتماعي واقتصادي، في عملية استنزاف مستمرة للأفراد والدول على حد سواء.

إن مواجهة هذه الآفة لم تعد خيارًا، بل ضرورة وجودية لحماية الأجيال القادمة، والحفاظ على استقرار المجتمعات، وصون الموارد البشرية التي تمثل رأس المال الحقيقي لأي دولة. فكل حالة إدمان يتم منعها تعني مستقبلًا تم إنقاذه، وأسرة تم حمايتها، وعبئًا اقتصاديًا تم تجنّبه.

المخدرات ليست مشكلة فرد، بل أزمة وطن.

وأي تهاون في مواجهتها اليوم، هو ثمن مضاعف ستدفعه المجتمعات غدًا.

إن المخدرات ليست مجرد إشكالية فردية يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها، بل هي وباء العصر الذي يهدد الإنسان والمجتمع والاقتصاد على حد سواء. المواجهة الحقيقية تتطلب وعياً جماعياً، ودعماً مستمراً للشباب، واستراتيجيات وطنية متكاملة للتوعية والعلاج والاندماج الاجتماعي. كل لحظة تأخير في التحرك ضد هذه الآفة تعني مزيداً من الأرواح المهدورة، ومزيداً من الأسر المنكوبة، ومزيداً من المستقبل الضائع.

لذلك، فإن حماية الأجيال القادمة وصون الموارد البشرية ليست مجرد خيار، بل واجب وطني ملح على كل فرد ومؤسسة، فالمجتمع الذي يتصدى لمخدراته اليوم، يضمن غدًا أكثر أمانًا، صحةً، وإنتاجية للجميع.

مدار الساعة ـ