مدار الساعة - كتبالمحامي عبدالله فهد السخني -
سعى المشرّع الأردني في السنوات الأخيرة إلى تحديث السياسة الجنائية من خلال إدخال *العقوبات البديلة* كخيار تشريعي يواكب التوجهات الحديثة في العدالة الجنائية، ويهدف إلى التخفيف من ازدحام مراكز الإصلاح والتأهيل، وتحقيق العدالة التصالحية، وإعادة دمج الجناة في المجتمع. وتشمل هذه العقوبات الخدمة المجتمعية، والمراقبة، والبرامج الإصلاحية بدلاً من العقوبة السالبة للحرية.ورغم الطابع الإصلاحي لهذا التوجه، إلا أن التجربة الأردنية في هذا المجال ما زالت تعاني من عدة إشكاليات تحدّ من فعاليتها، أبرزها:1. ضعف الأثر الردعي:استبدال السجن بعقوبات بديلة قد يقلل من هيبة النصوص الجزائية، خاصة إذا طُبّق في جرائم تمس الأمن المجتمعي أو النظام العام.2. قصور آليات الرقابة:فعالية العقوبات البديلة مرهونة بوجود أجهزة متابعة قوية، وهو ما لا يزال يعاني من ضعف في الإمكانات البشرية والفنية.3. الآثار الاجتماعية السلبية:بعض صور خدمة المجتمع قد تضع المحكوم عليه في مواجهة وصمة اجتماعية تعيق إعادة اندماجه لاحقاً.4.انتقائية التطبيق:غالباً ما تُحصر العقوبات البديلة في المخالفات والجنح البسيطة، مما يقلل من قيمتها كأداة لإعادة التأهيل.5. إشكالية العدالة بين الجناة:تفاوت تطبيق هذه العقوبات بين المحاكم قد يؤدي إلى الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون.6. غياب ثقافة مجتمعية داعمة:ما زال المجتمع الأردني ينظر للعقوبة بمعناها التقليدي (السجن)، وهو ما يضعف من تقبل العقوبات البديلة ويجعلها موضع استهجان في بعض الأحيان.7. أثرها المحدود : لا تحقق هذه العقوبات غالباً شعوراً كافياً بالإنصاف لدى الضحايا، خاصة في الجرائم التي تمس الاعتبار الشخصي أو الحقوق المباشرة.8. غياب برامج تأهيل متخصصة:معظم البدائل تقتصر على الخدمة المجتمعية أو الرقابة، دون مرافقة ببرامج علاجية أو مهنية أو نفسية تعالج السلوك الإجرامي.9. إمكانية استغلالها:ثمة تخوف من أن تصبح وسيلة لإفلات بعض الجناة من العقاب، لا سيما عند وجود نفوذ اجتماعي أو اقتصادي.10. ضعف التنسيق المؤسسي:يتطلب نجاح هذه العقوبات تعاوناً بين القضاء والوزارات والمؤسسات المدنية، وهو ما يعاني من قصور إداري.11.غياب التقييم العلمي للنتائج**: لم تُجرَ دراسات كافية لقياس أثر هذه العقوبات على معدلات العودة للجريمة، مما يترك فاعليتها موضع جدل.إن العقوبات البديلة في الأردن تمثل خطوة إصلاحية مهمة نحو سياسة جنائية أكثر إنسانية، لكنها بحاجة إلى تطوير تشريعي ومؤسسي متكامل يوازن بين تحقيق الردع العام والإصلاح الفردي، ويضمن ثقة المجتمع والضحايا في آن واحد. فبدون إطار شامل للرقابة والتأهيل والتقييم، قد تتحول هذه البدائل إلى مجرد وسيلة لتخفيف ضغط السجون، دون أثر وقائي أو إصلاحي حقيقي.