ليست خطورة الإرهاب والتطرف في العمليات التي ينفذها أصحاب الفكر المنحرف أو الخسائر التي تلحقها أفعالهم بالمجتمعات فحسب، بل في قدرتهم على اختراق العقول، وتسميم الوعي، واستغلال الأزمات والظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية لتجنيد الأفراد وتحويلهم إلى أدوات تستهدف الدولة والمجتمع والإنسان.
إن الأردن بحاجة اليوم إلى التعامل مع التطرف باعتباره تهديداً وطنياً متعدد الأبعاد، يتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز ردود الفعل إلى الوقاية والمواجهة والمعالجة. فالإرهاب لا يبدأ دائماً بالسلاح، بل قد يبدأ بفكرة منحرفة، أو خطاب تحريضي، أو بيئة حاضنة، أو فراغ معرفي يستغله المتطرفون لتجنيد العقول قبل الأجساد.أولاً: أمنياً، الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق. وذلك بتعزيز التنسيق المؤسسي، والكشف المبكر عن مؤشرات التطرف والتجنيد، ومتابعة أنماط الاستقطاب الرقمي، ضمن سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات. فالدولة القوية ليست التي تواجه الخطر بعد وقوعه فقط، بل التي تمنع تشكّله.ثانياً: فكرياً وتعليمياً، تحصين العقول قبل مواجهة النتائج. من خلال تطوير الخطاب الديني والفكري، وتفكيك التأويلات المتطرفة بالحجة والعلم، وتعزيز قيم الاعتدال والتسامح والتعايش. كما ينبغي أن تكون المدارس والجامعات شريكاً أساسياً في تنمية التفكير النقدي، والتربية على المواطنة، والتمييز بين الاختلاف والتحريض، وبين المعرفة والتضليل.ثالثاً: إعلامياً، امتلاك المبادرة لا الاكتفاء بتغطية الأحداث. فالتطرف أصبح معركة رقمية تستخدم الشائعات والمحتوى العاطفي والتجنيد الإلكتروني. والمطلوب استراتيجية اتصال وطني تنتج محتوى احترافياً يخاطب الشباب، ويفكك الخطاب المتطرف، ويواجه التضليل، ويعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.رابعاً: ثقافياً واجتماعياً، معالجة الجذور وعدم الاكتفاء بالمظاهر. وذلك بتوسيع فرص الشباب، ودعم المبادرات الثقافية والرياضية، وتعزيز المشاركة المجتمعية والهوية الوطنية الجامعة، وفهم العوامل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة. كما يجب تطوير برامج التأهيل الفكري والنفسي والاجتماعي لمن يحتاجون إليها وفق معايير مهنية وقانونية.خامساً: تشريعياً ورقابياً، رسالة إلى مجلسي النواب والأعيان. إن على المجلسين مسؤولية وطنية في تطوير التشريعات المرتبطة بمكافحة الإرهاب والتحريض وخطاب الكراهية، ومواكبة التهديدات الرقمية، وممارسة رقابة فاعلة على أداء المؤسسات المعنية، وعقد حوارات وطنية متخصصة بمشاركة الخبراء والأكاديميين والإعلاميين. فالمطلوب تشريعات لا تجرّم الإرهاب بعد وقوعه فحسب، بل تدعم الوقاية وتحاصر أسبابه، وتصون الحقوق والحريات.رسالة أخيرة إلى صانعي القرار:إن مواجهة التطرف مسؤولية وطنية مشتركة، ولا يجوز اختزالها في الأجهزة الأمنية وحدها. نحن بحاجة إلى استراتيجية وطنية موحدة تجمع الأمن والفكر والتعليم والإعلام والثقافة والتشريع، وتحدد المسؤوليات والموارد ومؤشرات قياس النتائج.إن الإرهاب قد يستهدف حدود الدولة ومؤسساتها، لكن التطرف يستهدف ما هو أعمق: عقل الإنسان ووعيه وانتماءه وثقته بوطنه.لا تنتظروا أن يتحول الفكر المنحرف إلى فعل إرهابي؛ واجهوا بذوره بالوعي، وأسبابه بالعدالة والتنمية، ودعايته بإعلام مهني مؤثر، وانحرافاته بالفكر والعلم، وتهديداته بقوة أمنية يحكمها القانون. فالأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، بل بالعقول الواعية والمؤسسات القوية والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.إن حماية الأردن تبدأ من حماية وعي الأردنيين، وتحصين عقولهم، وترسيخ إيمانهم بأن الوطن أكبر من كل الأيديولوجيات المتطرفة.رسالة إلى صانعي القرار في الأردن: حين يصبح التطرف تهديداً للعقل والدولة
مدار الساعة ـ