ثمة مفارقة خطيرة في كثير من تجارب مكافحة الإرهاب؛ أن تنجح الدولة في تفكيك التنظيمات الإرهابية، واعتقال أفرادها، وإحباط عملياتها، بينما تظل البيئة التي أنتجت التطرف قائمة، وربما أكثر قابلية لإعادة إنتاجه. وكأن المعركة تُخاض ضد النتائج، فيما تُترك الأسباب تنمو في الظل!
إن الاعتقاد بأن الإرهاب يمكن القضاء عليه بالقبضة الأمنية وحدها هو اختزال لظاهرة معقدة في بُعد واحد، وتجاهل لطبيعة العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية التي تتداخل في نشأتها وتغذيتها واستمرارها.لا أحد ينكر أن الأمن ضرورة، وأن مواجهة التنظيمات الإرهابية مسؤولية أصيلة للدولة، وأن حماية المجتمع من العنف والتكفير والاستهداف تتطلب أجهزة أمنية محترفة وقدرات استخبارية متقدمة وتشريعات فعالة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل استراتيجية لمكافحة الإرهاب هو: ماذا نفعل بالأسباب التي تجعل الإرهاب قابلاً للظهور من جديد؟فليس من المنطقي أن نطلب من المواطن أن يثق بمؤسسات لا يشعر بعدالتها، وأن ندعوه إلى الانتماء لدولة لا يجد فيها تكافؤاً في الفرص، وأن نطالبه بالإيمان بسيادة القانون بينما يرى أن القانون قد يكون صارماً مع الضعفاء ومتساهلاً مع أصحاب النفوذ، وأن نتحدث عن الاعتدال والتسامح في ظل خطاب عام قد تضيق فيه مساحات الاختلاف والتعبير السلمي.الفساد والاستبداد ليسا مبرراً للإرهاب، لكنهما قد يتحولان إلى بيئة يستثمرها الإرهاب:وهنا يجب أن نميز بوضوح بين تبرير الجريمة وتفسير أسبابها؛ فالإرهاب جريمة لا تمنح مرتكبها أي شرعية أخلاقية أو سياسية، ولا يمكن أن تتحول المظالم إلى مبرر لاستهداف الأبرياء أو الاعتداء على المجتمع. لكن إدانة الإرهاب لا تعفينا من البحث العلمي في الظروف التي تسمح للفكر المتطرف باستقطاب الأفراد وتحويل الغضب والإحباط إلى عنف منظم.أولاً: عندما يصبح الظلم مادة للتجنيد:إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة ليس وجود جماعة متطرفة فحسب، بل أن تنجح هذه الجماعة في إقناع بعض الأفراد بأن الدولة ومؤسساتها لا تمثل العدالة، وأن المجتمع لا يوفر لهم مكاناً، وأن المستقبل مغلق أمامهم.تلك هي اللحظة التي يبدأ فيها الفكر المتطرف باستثمار المظلومية، وتقديم نفسه باعتباره بديلاً زائفاً عن الدولة والقانون والمجتمع.وعندما ينتشر الفساد، وتتراجع الثقة بالمؤسسات، وتتسع الفجوة بين المواطنين وأصحاب القرار، ويشعر الشباب بأن الفرص لا تُمنح على أساس الكفاءة والاستحقاق، فإن الدولة تكون أمام أزمة تتجاوز المؤشرات الاقتصادية والإدارية، وتمس العلاقة بين المواطن ومفهوم الدولة ذاته.ولا يعني ذلك أن الفقر أو البطالة أو الفساد تنتج الإرهاب بصورة آلية؛ فالأسباب متعددة، ومسارات التطرف تختلف من مجتمع إلى آخر، لكن تجاهل هذه العوامل يعني ترك مساحات يمكن أن تستغلها التنظيمات المتطرفة في التجنيد والتعبئة.ثانياً: الاستبداد لا يصنع الاستقرار بالضرورة:من الأخطاء الاستراتيجية الخلط بين الاستقرار الأمني والاستقرار السياسي والاجتماعي.قد تتمكن القبضة الأمنية من فرض الهدوء، وقد تنجح في منع مظاهر العنف لفترة من الزمن، لكن غياب المشاركة السياسية، وتقييد الحريات، وإغلاق قنوات التعبير السلمي عن المظالم، لا يعني اختفاء هذه المظالم.فالمجتمعات تحتاج إلى وسائل مشروعة للتعبير عن الغضب والاعتراض والمطالبة بالإصلاح. وعندما تكون هذه الوسائل متاحة وفاعلة، فإنها تشكل صمام أمان يحول دون انتقال الخلافات السياسية والاجتماعية إلى مسارات عنيفة.أما حين يُختزل مفهوم الأمن في إسكات الأصوات، ويُنظر إلى النقد باعتباره تهديداً، وإلى المعارضة السلمية باعتبارها خصومة مع الدولة، فإن الخلط بين حماية النظام العام وحماية حرية المجتمع يصبح خطراً على الاثنين معاً.إن الدولة القوية ليست الدولة التي لا يُسمح فيها لأحد بالاعتراض، بل الدولة التي تستطيع استيعاب الاعتراض وإدارته في إطار القانون والمؤسسات.ثالثاً: مكافحة الإرهاب تبدأ من بناء الدولة العادلة:إذا أردنا استراتيجية حقيقية ومستدامة لمكافحة الإرهاب، فعلينا أن ننتقل من إدارة العمليات الأمنية إلى معالجة بنية المجتمع والدولة، وأن نضع المتطلبات اللازمة ضمن مشروع وطني متكامل، لا ضمن شعارات موسمية تطلق بعد كل حادث إرهابي.وهذا يتطلب:1. إقامة سيادة القانون: بحيث يخضع الجميع للقانون دون استثناء، ويشعر المواطن بأن القضاء مستقل وأن حقوقه مصونة، وأن العدالة لا تتغير بتغير موقع الشخص أو نفوذه.2. مكافحة الفساد بجدية: من خلال المساءلة والشفافية واسترداد المال العام، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب؛ لأن الفساد لا يستنزف الموارد فقط، بل يستنزف ثقة المجتمع بالدولة.3. فتح المجال السياسي: وتعزيز المشاركة الحزبية والانتخابات النزيهة وحرية التعبير والتجمع السلمي، وتوفير قنوات مؤسسية حقيقية للتغيير والإصلاح.4. تحقيق العدالة الاجتماعية: من خلال تكافؤ الفرص، ومحاربة المحسوبية، وتوفير فرص العمل، وتوزيع الخدمات والاستثمارات بصورة عادلة، وعدم ترك مناطق أو فئات اجتماعية خارج حسابات التنمية.5. إصلاح التعليم: والانتقال من التعليم القائم على التلقين إلى تعليم يعزز التفكير النقدي، واحترام الاختلاف، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين التدين والتعصب، وبين الاختلاف الفكري والتحريض على العنف.6. تطوير الخطاب الديني والإعلامي: ومواجهة التكفير والتحريض والكراهية بخطاب علمي ومعرفي مقنع، لا بمجرد المنع والملاحقة، مع تمكين المؤسسات الدينية والإعلامية من أداء دورها المستقل والمسؤول.7. تطوير المنظومة الأمنية: من خلال العمل الاستخباري الاستباقي، والاحترافية، والتنسيق المؤسسي، واحترام حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة، وتطوير برامج الوقاية وإعادة التأهيل والإدماج المجتمعي.8. مواجهة مصادر الإرهاب الخارجية: عبر التعاون الدولي لمكافحة تمويل التنظيمات الإرهابية، ووقف شبكات التجنيد والتسليح والدعم، ومحاسبة الجهات التي توفر لها الملاذ أو الغطاء أو الموارد، أياً كانت هويتها.إن هذه المتطلبات ليست بدائل عن العمل الأمني، وإنما هي مكملة له، وتمنحه بعداً استراتيجياً يتجاوز إخماد الخطر الآني إلى منع تجدده.رابعاً: من يحاسب صانعي بيئة الإرهاب؟ثمة جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالمسؤولية الدولية عن نشوء التنظيمات الإرهابية واستمرارها.فالإرهاب لا يتحرك دائماً بمعزل عن المصالح والصراعات الدولية، وقد شهد العالم حالات استُخدمت فيها جماعات مسلحة ومتطرفة ضمن حروب الوكالة، وتقاطعت مصالح قوى إقليمية ودولية مع وجودها أو توظيفها، قبل أن تتحول هذه الجماعات إلى تهديد يتجاوز الحدود التي رُسمت لها.كما أن بعض السياسات الدولية التي تقوم على التدخلات العسكرية، وتدمير مؤسسات الدول، وإطالة أمد النزاعات، وازدواجية المعايير في التعامل مع حقوق الشعوب، قد تسهم في خلق بيئات هشّة تستغلها التنظيمات المتطرفة.ومن هنا، فإن مكافحة الإرهاب على المستوى الدولي لا ينبغي أن تقتصر على ملاحقة التنظيمات وأفرادها، بل يجب أن تشمل تجفيف مصادر التمويل والتسليح، ومساءلة الجهات التي تدعم العنف أو توظفه سياسياً، ومراجعة السياسات التي تنتج الفوضى وتعيد تدوير الصراعات.فلا يمكن أن يكون المجتمع الدولي جاداً في مكافحة الإرهاب إذا اكتفى بمحاربة نتائجه، وتجاهل المصالح والسياسات التي قد تسهم في إنتاج بيئته أو استمرارها.خامساً: كيف نقيس نجاح الدولة في مكافحة الإرهاب؟إن عدد الاعتقالات والعمليات الأمنية والتنظيمات التي جرى تفكيكها مؤشرات مهمة لقياس الأداء الأمني، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على نجاح الاستراتيجية الوطنية.هناك مؤشرات أخرى يجب أن تكون حاضرة، منها: تراجع الفساد، وتعزيز الثقة بالقضاء والمؤسسات، وتحسن مؤشرات العدالة وتكافؤ الفرص، واتساع المشاركة السياسية، وتراجع التمييز والتهميش، وارتفاع قدرة الشباب على الوصول إلى التعليم والعمل، وفاعلية برامج الوقاية وإعادة التأهيل.والأهم من ذلك كله أن يشعر المواطن بأن الدولة تحميه بالقانون، وتحفظ كرامته، وتتيح له حق الاعتراض والمشاركة والتغيير بالوسائل السلمية.فالمواطن الذي يجد العدالة في مؤسسات دولته، ويثق بقضائها، ويمتلك فرصة حقيقية للمشاركة في صنع مستقبله، يكون أكثر ارتباطاً بدولته وأكثر قدرة على مقاومة الخطابات التي تسعى إلى استقطابه وتجنيده.الخلاصة: لا تهزموا الإرهاب وتتركوا أسبابه تنتصر!إن المعركة ضد الإرهاب ليست معركة أمنية فقط، وليست مواجهة بين أجهزة الدولة ومجموعات مسلحة فحسب؛ إنها معركة على طبيعة الدولة التي نريدها، وعلى شكل العلاقة بين السلطة والمجتمع، وعلى معنى العدالة والمواطنة والكرامة الإنسانية.الدولة التي تحارب الإرهاب مطالبة بأن تحارب الفساد بالصرامة ذاتها التي تحارب بها التنظيمات الإرهابية، وأن تحمي الحقوق بالجدية ذاتها التي تحمي بها الحدود، وأن تواجه الاستبداد والإقصاء والتهميش باعتبارها اختلالات تهدد تماسك المجتمع وثقته بمؤسساته.لا يكفي أن نغلق أوكار التطرف إذا كانت أسبابه تجد طريقها إلى عقول جديدة، ولا يكفي أن نلاحق المتطرفين إذا كنا لا نعمل على تحصين المجتمع من الأفكار والظروف التي يستغلونها.وليس المطلوب دولة ضعيفة أمام الإرهاب، بل دولة قوية بالقانون والعدالة والمؤسسات، قادرة على حماية المجتمع دون أن تتحول الحماية إلى انتقاص من حرياته وحقوقه.فالقبضة الأمنية قد تمنع الجريمة، لكنها لا تبني وحدها مجتمعاً آمناً. والردع قد يهزم تنظيماً، لكنه لا يهزم الفكرة التي تجد بيئة حاضنة لها.إن الطريق إلى أمن مستدام لا يبدأ فقط من السؤال: كيف نعتقل الإرهابي؟بل يبدأ أيضاً من أسئلة أكثر عمقاً: لماذا ينجح خطاب التطرف في استقطاب البعض؟ وما الذي يجعل المواطن يفقد ثقته بدولته؟ وكيف نبني مجتمعاً لا يجد فيه الإرهاب مظلمة يستثمرها، ولا فراغاً يملؤه، ولا يأساً يتغذى عليه؟إن الدولة التي تريد أن تجفف منابع الإرهاب، عليها أولاً أن تجفف منابع الفساد والظلم والاستبداد، وأن تجعل العدالة واقعاً يعيشه المواطن، لا شعاراً يسمعه في المناسبات.ذلك هو الفرق بين دولة تطارد الإرهاب، ودولة تعمل على منع ولادته من جديد.حين تحارب الدولة الإرهاب وتُبقي أسبابه حيّة!
مدار الساعة ـ