أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أول الكتب


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

أول الكتب

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

لم يعد الكتاب يحتل المكانة التي كان يحتلها في بيوتنا وقلوبنا. تبدلت الأشياء، وتبدلت معها علاقتنا بالكتاب، حتى أصبح من النادر أن ترى في بيت من بيوت الناس مكتبة خاصة، بعد أن كانت المكتبة جزءًا من أثاث البيت، ونافذة تطل منها الأسرة على العالم.

حلّت مكان المكتبة خزانة "البوفيه" بما فيها من صحون وفناجين وملاعق وكؤوس، أشياء لا تُستعمل في الغالب إلا عندما يأتي الضيوف، وكأننا أصبحنا أكثر حرصًا على ما نقدمه للآخرين على موائدنا، من حرصنا على ما نقدمه لعقولنا.

أما من يقتني مكتبة في بيته، فقد يجد نفسه في مواجهة معركة سنوية عنوانها: التعشيب!

فالكتب، في نظر البعض، تتكاثر بلا حساب، وتحتل الرفوف، وتتراكم فوق بعضها، وتحتاج إلى التخلص من بعضها بين حين وآخر. وإذا لم يكن صاحب المكتبة متذمرًا من كثرة كتبه، فقد تكون زوجته له بالمرصاد؛ إذ قد ترى في هذه الكتب "ضرة" لا ترحم، تستولي على مساحات البيت، ولا تترك مكانًا للتحف والأثاث وسائر الأشياء التي ترى أنها أولى منها.

وقد تنجح الزوجة في التخلص من بعض الكتب في حياة صاحبها، وإن عجزت، انتظرت رحيله عن الدنيا، لترحل المكتبة بعده، وكأن الكتب لا تجد من يدافع عنها إلا صاحبها.

لكن عشاق الكتب لا يرونها أثاثًا زائدًا، ولا يرون في تراكمها عبئًا، وإنما يرون في كل كتاب حياة أخرى، وذاكرة أخرى، ونافذة أخرى على العالم.

ولهذا يفتخر بعض الذين يعشقون الكتب بـأول كتاب استيقظ على رفوف مكتبتهم؛ لأن الكتاب الأول ليس مجرد كتاب، وإنما هو بداية الحكاية.

أما أنا، فأذكر جيدًا أول كتاب أبصرته مكتبتي، وكانت رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا"، التي أهداها إلي صديقي محمد شعبان، وكنا يومها طالبين في الصف الأول الثانوي، أو العاشر الأساسي بمسمّيات اليوم.

لم أكن أعرف يومها أن ذلك الكتاب الصغير سيقود إلى كتب أخرى، وأن الكتاب الأول سيستدعي الثاني، والثاني الثالث، حتى تتحول الرفوف شيئًا فشيئًا إلى عالم كامل.وهكذا أخذت مكتبتي تكبر، حتى تجاوز عدد كتبها سبعة آلاف كتاب، وقد واجهت، كما يواجه كل من يملك مكتبة كبيرة، السؤال الذي يطرحه الناس بعفوية لا تخلو من الدهشة: "هل قرأتَ هذه الكتب كلها؟".

والحقيقة أنني لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال برقم دقيق. فالكتب ليست سواء في علاقتنا بها؛ هناك كتاب يُقرأ فور وصوله، وكتاب ينتظر دوره، وكتاب نؤجله إلى حين، وكتاب يظل نائمًا على الرف سنوات طويلة، وربما كان أكثر الكتب خجلًا ذلك الكتاب الذي كُتب على صفحته الأولى إهداء من صاحبه.

فالكتاب المهدي لا يجوز، في عرف المحبين، أن يُهمل بسهولة.

الإهداء يربط الكتاب بصاحبه، ويمنحه ذاكرة تتجاوز محتواه؛ لذلك قد يظل الكتاب على الرف لا لأننا لم نرغب في قراءته، وإنما لأننا نريد الاحتفاظ باللحظة التي وصل فيها إلينا.

والمكتبة، في النهاية، ليست سجلًا للكتب التي قرأناها، وإنما سجل للكتب التي مرت في حياتنا أيضًا.

إننا نعيش زمنًا عربيًا لا تنقصه القدرة على الكلام، وإنما تنقصه القدرة على القراءة. لقد تربى الإنسان العربي، عبر قرون طويلة، على المشافهة، وظلت الكلمة المسموعة ذات سلطان كبير في ثقافته، حتى إن ما قيل كان أحيانًا أقوى مما كتب.

وحين دخلنا عصر التدوين، لم يكن كل ما كتب بمنأى عن الكذب والافتراء والتحريف؛ فقد اختلطت الرواية بالحكاية، والحقيقة بالأسطورة، والتاريخ بالرغبة في تمجيد الذات.

ولهذا فإن الكتاب لم يكن مجرد وسيلة لحفظ المعرفة، وإنما كان أداة لحفظ الذاكرة من الضياع.

ومن هنا يمكن النظر إلى مكانة الكتاب بوصفها أحد المؤشرات المهمة على تطور المجتمع أو تخلفه؛ فالمجتمع الذي يعتني بالكتاب يعتني بعقله، والمجتمع الذي يهين الكتاب إنما يهين إحدى أهم وسائل بناء الإنسان.

وحين أعود إلى ما كتبه المؤرخ اليوغوسلافي ألكسندر ستيبتشفيتش في كتابه "تاريخ الكتاب"، أشعر بشيء من الحسرة؛ لأن الرجل يصف كيف امتزجت الثقافة العربية بالثقافات القديمة في المناطق التي فتحها العرب، وكيف نشأت من هذا التفاعل ثقافة عربية جديدة، وكيف أسهم التسامح مع الثقافات المحلية في استمرار هذا الامتزاج الثقافي وتشجيع العلوم والفنون، لقد كان العربي القديم، في لحظات ازدهاره، يعرف أن الحضارة لا تبنى بإلغاء الآخر، وإنما باستيعاب معرفته وإعادة إنتاجها.

ولعل قصة الورق وحدها تكشف شيئًا من علاقتنا القديمة بالكتاب، فبعد فتح مصر، ظل العرب يستخدمون الرق وورق البردى في الكتابة، ثم عرفوا صناعة الورق، وارتبطت بدايات إنتاج الورق العربي بمدينة سمرقند، قبل أن تنتقل الصناعة إلى بغداد ودمشق وغيرها من المدن.

وكان الورق الدمشقي من أشهر أنواع الورق في العالم، وظلت صناعة الورق في أيدي العرب قرونًا طويلة قبل أن تنتقل إلى أوروبا، وحين أصبح الورق أكثر انتشارًا، انفتح أمام الكتاب العربي أفق جديد.

لم يعد الكتاب شيئًا نادرًا لا يملكه إلا القليل، وإنما أصبح صناعة وتجارة وحرفة، وصار للكتاب سوق، وللمؤلف مكانة، وللمكتبة حضور، وتنافس الخلفاء والوزراء والأغنياء والعلماء في اقتناء الكتب، وحرصوا على الحصول على الكتب النادرة والثمينة، حتى أصبحت الرحلة بالكتاب رحلة حقيقية؛ تحمل الكتب على ظهور الجمال، وتنتقل من مدينة إلى أخرى، ويقطع بها التجار والعلماء مسافات طويلة، وكان الكتاب يُعامل بوصفه ثروة. يا لها من مفارقة!

كتاب كان يحمل على ظهر جمل ليصل إلى قارئ في مدينة بعيدة، وكتاب اليوم يعجز صاحبه عن فتحه لأن هاتفًا ذكيًا سرق منه انتباهه!

وقد شجع الخلفاء والأمراء والعلماء حركة التأليف والترجمة، فظهرت المكتبات العامة والخاصة، ومكتبات القصور والخلفاء، ومكتبات الوزراء والعلماء.

وتحدثت المصادر عن مكتبات عظيمة ارتبطت بعصور الازدهار، من بينها مكتبات الخلفاء العباسيين، ومكتبة المأمون، وبيت الحكمة الذي غدا رمزًا لحركة العلم والترجمة والكتاب في بغداد.

ولم تكن المكتبة آنذاك مجرد غرفة تكدس فيها الكتب، وإنما كانت مؤسسة علمية وحضارية، يجتمع فيها العلماء والمترجمون والنسّاخ والباحثون.

كان الكتاب في قلب الحضارة، وكان اقتناء الكتاب وجمعه والعناية به علامة على الثراء العلمي والثقافي، لا عبئًا ينبغي التخلص منه.

فأين نحن من ذلك كله؟ أين ذهبت تلك الرغبة القديمة في جمع الكتب؟ وأين ذهبت متعة أن تدخل بيت عالم أو أديب، فتجد الكتب تحيط بك من كل جانب، حتى تشعر أن صاحب البيت لا يعيش بين الجدران، وإنما يعيش بين العقول؟

ربما تغير الزمن، وهذا صحيح، وربما أصبحت المعرفة متاحة على الشاشات، ولم يعد الكتاب الورقي هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى المعلومة، لكن هذا لا يبرر أن نفقد علاقتنا بالكتاب.

فالكتاب الإلكتروني لا يلغي قيمة الكتاب الورقي، كما أن الهاتف لا يلغي المكتبة، وإنما تتعدد الوسائل ويبقى السؤال الأهم: هل ما زلنا نريد أن نقرأ؟

إن المشكلة ليست في الورق وحده، ولا في الكتاب الإلكتروني، ولا في المكتبة التقليدية، وإنما في الإنسان الذي فقد شغفه بالمعرفة، فالذي يحبّ الكتاب سيبحث عنه، سواء وجده على رفّ خشبي أم على شاشة مضيئة، والذي لا يحب القراءة لن تنقذه ألف مكتبة ولا مليون كتاب.

ولهذا فإن معركة الكتاب الحقيقية ليست مع الهاتف، وإنما مع اللامبالاة. ليست معركة الورق مع الشاشة، وإنما معركة العقل مع الفراغ.

لقد كان الكتاب يومًا من أثمن الأشياء التي يمكن أن يحملها الإنسان، وكانت المكتبة عنوانًا للبيت، وكان الطفل يفتح كتابه الأول فيشعر أنه اكتشف عالمًا جديدًا.

ومنذ ذلك اليوم، صار لكل كتاب يصل إلى مكتبتي سؤال خاص: هل ستكون أنت الكتاب الذي يغير شيئًا في حياتي؟ ولعل أجمل ما في المكتبة أنها لا تجيب عن هذا السؤال، إنها تترك لنا مهمة البحث عن الإجابة.

مدار الساعة ـ