في وضح النهار، وعلى أحد شوارع العاصمة عمّان، ارتقى العريف الشهيد جواد علي خلف السلايطة، أحد نشامى الأمن العام، وهو يؤدي واجبه في حماية الوطن وحفظ أمنه. لم يكن رحيله مجرد حادثة أمنية مؤلمة، بل جرس إنذار يضع أمامنا سؤالاً أكبر من تفاصيل الاعتداء نفسه: كيف نواجه الأفكار التي تنتج العنف قبل أن تتحول إلى أفعال تستهدف الإنسان والوطن؟
فبعد أقل من أسبوعين على الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك، وأودت بحياة تسعة من أبناء الوطن وأصابت نحو أربعين آخرين، جاء الاعتداء في العاصمة ليعيد فتح ملف بالغ الأهمية، لا يتعلق فقط بقدرة الأجهزة الأمنية على التعامل مع الخطر، وإنما بقدرتنا كمجتمع ومؤسسات على الوصول إلى جذور التطرف قبل أن تستحيل تهديداً حقيقياً للأمن والاستقرار.لا جدال في أن الأجهزة الأمنية تمثل خط الدفاع الأول عن الوطن، وأن ما يقدمه رجالها من تضحيات يستحق كل التقدير والوفاء. لكن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن نقاشنا أن المواجهة الأمنية، مهما بلغت من كفاءة وسرعة وحزم، لا تستطيع وحدها أن تعالج كل الأسباب التي تقف خلف التطرف والعنف.فالأمن يتعامل مع الخطر حين يظهر، أما الوقاية الحقيقية فتبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ من الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمؤسسات الدينية والتربوية، ومراكز الإصلاح والتأهيل، وكل مؤسسة يقع على عاتقها بناء الإنسان وحماية وعيه من الانحراف.وهنا تحديداً تبرز أهمية منظومة السجون ومراكز الإصلاح والتأهيل.فالسجن، في مفهومه الحديث، لا ينبغي أن يكون مجرد مكان تُسلب فيه حرية الإنسان وينتهي عنده دور المؤسسة العقابية، بل يجب أن يكون مساحة لإعادة التقييم والتقويم، ومحطة لإعادة بناء الإنسان وتأهيله، بما يضمن عدم عودته إلى الجريمة، ويحمي المجتمع من تكرار الخطر.إن عزل مرتكب الجريمة عن المجتمع قد يكون ضرورة تفرضها حماية الناس وسيادة القانون، لكنه لا ينبغي أن يكون الغاية الوحيدة. فالغاية الأبعد هي أن يخرج الإنسان وقد خضع لعملية تأهيل حقيقية، تعالج أسباب انحرافه، وتمنحه فرصة لاستعادة قدرته على الاندماج في المجتمع بصورة سليمة.وهذا يتطلب برامج متخصصة في الإرشاد النفسي، والتأهيل الفكري، ومراجعة الأفكار المتطرفة، والتعليم والتدريب المهني، إلى جانب المتابعة اللاحقة للإفراج، وتقييم مدى فاعلية هذه البرامج بصورة علمية ومستقلة.ولا يعني ذلك افتراض أن كل من يدخل السجن معرض للتطرف، أو أن السجون هي بالضرورة مصدره، بل يعني أن المؤسسات الإصلاحية يجب ألا تترك أي مساحة يمكن أن تتحول فيها بيئة الاحتجاز إلى فرصة لترسيخ الأفكار المنحرفة بدلاً من تفكيكها.إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نكتفي بمراقبة النتائج، بينما نترك الأسباب تتراكم بعيداً عن أعيننا.فالتطرف لا يولد بالضرورة في لحظة واحدة، ولا يتحول الإنسان إلى أداة للعنف بقرار عابر؛ بل قد تتداخل في تشكيله عوامل فكرية واجتماعية ونفسية وتربوية، تتفاوت من حالة إلى أخرى. ومن هنا، فإن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب فهماً عميقاً لأسبابها، لا الاكتفاء بملاحقة مظاهرها.ولعل الدرس الأهم الذي تضعه أمامنا هذه الأحداث هو ضرورة الانتقال من مفهوم الأمن الذي يكتفي باحتواء التهديد بعد وقوعه، إلى مفهوم الأمن الوقائي الشامل، الذي يستثمر في الإنسان قبل أن يصبح خطراً على نفسه أو على الآخرين.فلا يكفي أن نسأل: كيف نلقي القبض على المتطرف؟ بل علينا أن نسأل أيضاً: كيف وصل إلى هذه المرحلة؟ وأين أخفقت منظومة الوقاية؟ وما الذي كان يمكن فعله قبل أن تُزهق روح بريئة؟هذه ليست أسئلة للتشكيك في المؤسسات أو تحميلها مسؤولية جريمة لم تتضح جميع تفاصيلها، بل هي أسئلة مشروعة تفرضها مسؤولية الدولة والمجتمع في حماية الإنسان وصون أمن الوطن.إن دماء العريف جواد السلايطة، كما دماء ضحايا كنيسة حمود، ليست مجرد أرقام في سجل الحوادث، بل أرواح أردنية غالية تفرض علينا ألا نتعامل مع المأساة باعتبارها حدثاً عابراً ينتهي بانتهاء التحقيقات أو القبض على الجناة.بل ينبغي أن تكون دافعاً لمراجعة شاملة وجادة لسياسات الوقاية من التطرف، وكفاءة برامج التأهيل والإصلاح، ومستوى التنسيق بين المؤسسات المعنية، وقدرتنا على اكتشاف عوامل الخطر والتعامل معها قبل فوات الأوان.فالأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، وإن كان السلاح ضرورة؛ بل تُحمى أيضاً بالعقل الواعي، والفكر المستنير، والأسرة المتماسكة، والمؤسسات القادرة على بناء الإنسان قبل أن تضطر إلى مواجهة انحرافه.ولعل الحقيقة التي يجب أن نتوقف عندها طويلاً هي أن أخطر المعارك ليست دائماً تلك التي نراها في الشوارع، بل تلك التي تبدأ بصمت داخل العقول، بعيداً عن أعين الرقباء، حتى تظهر نتائجها فجأة في صورة جريمة لا يمكن إعادة الزمن بعدها إلى الوراء.فلا تنتظروا من نقطة الحراسة أن تحمي الوطن من كل خطر، إذا لم نحمِ العقول التي تقف خلفها؛ لأن الأمن الحقيقي لا يبدأ عند البوابات، بل يبدأ من الإنسان نفسه.ما وراء نقطة الحراسة.. المعركة التي تبدأ في العقول قبل الشوارع
مدار الساعة ـ