أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين تصبح الصحراء فخّاً: الإرهاب المتحوّل ومسؤولية الدولة والمجتمع


زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار

حين تصبح الصحراء فخّاً: الإرهاب المتحوّل ومسؤولية الدولة والمجتمع

زيد أبو زيد
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ

ليست كلُّ الأخطار مرئية، وليست كلُّ المعارك تُخاض في ميادين مكشوفة، فبعض المعارك تبدأ في العقول قبل أن تصل إلى الشوارع، وبعض الجرائم تولد فكرةً منحرفة، ثم تنمو في الظل حتى تصبح فعلاً يستهدف الإنسان والدولة والمجتمع.

خلال أقل من شهر، شهد الأردن حادثين إرهابيين مؤلمين؛ أولهما الاعتداء الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك، وأودى بحياة تسعة أشخاص وأصاب العشرات، وثانيهما الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أحد رجال الأمن العام في العاصمة عمّان، وأدى إلى استشهاده وإصابة زميل له. وهما حادثان يفرضان علينا قراءة تتجاوز حدود الواقعة الأمنية، إلى فهم طبيعة الإرهاب الذي يتغير، والبيئة التي يتغذى منها، والمجتمع الذي ينبغي أن يتصدى له.

أولاً: الصحراء التي لا تكشف أسرارها من النظرة الأولى

الإرهاب، في طبيعته وأساليبه، يشبه الصحراء؛ تبدو للناظر من بعيد مساحةً واسعة متشابهة، هادئة الملامح، بسيطة التكوين، لكن من يغوص في أعماقها يكتشف أنها ليست كما تبدو. فالصحراء مخادعة في تضاريسها، متحولة في رمالها، تخفي من الأسرار أكثر مما تكشف، وحتى أبناء البادية الذين جابوها لعقود وقرون يدركون أن معرفتها لا تعني امتلاك كل أسرارها، وأن رمالها قد تخفي مسارات لا تراها العين، ومفاجآت لا يحسب لها العابر حساباً.

كذلك الإرهاب؛ لا يمكن قراءته من سطح الحدث، ولا اختزاله في صورة المجرم الذي نفّذ الفعل. خلف كل جريمة بيئة فكرية، ومسارات تطرف، ومفاهيم مشوّهة، وقدرات على التخفي والتبدّل. ومن هنا تكمن خطورة هذه الظاهرة؛ فهي لا تعلن دائماً عن نفسها، ولا تسير في طريق مستقيم يمكن توقع نهايته.

ثانياً: الجريمة تتطور، ومواجهة الجريمة يجب أن تتطور

الإرهابيون مجرمون، والجريمة ليست كياناً جامداً؛ إنها تتطور في أدواتها وأنماطها وطرائق تنفيذها. وما كان ممكناً اكتشافه بالأمس قد يحتاج اليوم إلى أدوات مختلفة، وما كان ظاهراً في مرحلة قد يصبح مستتراً في مرحلة أخرى.

وهنا لا بد من إدراك حقيقة أساسية: تطور الفعل الإرهابي يفرض تطوراً موازياً في العمل الأمني والاستخباري، وفي القدرة على التحليل والاستباق والقراءة الدقيقة للمؤشرات. فالمعركة ليست معركة ردّ فعل فحسب، بل معركة معرفة وتوقع ومتابعة وتحصين.

ولا يجوز، في هذا السياق، أن نغفل ما حققته الأجهزة الأمنية الأردنية على مدى سنوات من إحباط مخططات وعمليات إرهابية، وكشف قضايا تطرف قبل أن تتحول إلى جرائم ودماء وضحايا. إن هذه النجاحات، التي لا تظهر جميع تفاصيلها للرأي العام، تمثل جانباً مهماً من معادلة الأمن الوطني، لأننا نرى الجريمة التي وقعت، لكننا لا نرى بالضرورة الجرائم التي لم تقع بسبب اكتشافها وإحباطها.

ومن الخطأ أن نقيس الأداء الأمني بعدد الحوادث التي وقعت وحدها، دون أن نضع في الميزان ما جرى من إحباطات وإنجازات وعمليات استباقية جنّبت الوطن مخاطر كثيرة. وفي المقابل، فإن ذلك لا يعني افتراض الكمال أو إغلاق باب المراجعة؛ فكل حادثة تستوجب دراسة مهنية دقيقة، وكل ثغرة تثبتها الوقائع تستوجب المعالجة. لكن ثمة فرقاً كبيراً بين مراجعة الأداء بمسؤولية، وبين تحويل كل حادثة إلى حكم شامل على المؤسسة أو دعوة انفعالية لاستبدال الأشخاص.

ثالثاً: الذئاب المنفردة والخلايا النائمة… حين يصبح التنبؤ أكثر تعقيداً

إن الإرهاب لا يعمل دائماً من خلال تنظيمات ظاهرة أو هياكل معلنة. فقد يتحرك عبر خلايا نائمة، أو أفراد يتبنون أفكاراً متطرفة بعيداً عن الأنظار، أو ما يُعرف بالذئاب المنفردة، حيث قد لا تكون هناك صلة تنظيمية مباشرة ومعلنة بين الفاعل وقيادة مركزية.

وهذا التعدد في أنماط الفعل الإرهابي يجعل مهمة الدولة أكثر تعقيداً؛ فليس من الممكن أن تتحول الحياة العامة إلى منظومة حراسة دائمة لكل فرد، ولا أن توضع عين رقابية على كل مواطن أو مشتبه به. الدولة تتابع وتتحرى وتجمع المعلومات وتعمل وفق القانون، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المجتمع في مسؤولياته الفكرية والأخلاقية والوطنية.

ومن هنا ينبغي ألا ننظر إلى الأمن باعتباره وظيفة مؤسسة واحدة، بل باعتباره منظومة وطنية متكاملة، تتداخل فيها مسؤولية الأجهزة المختصة مع مسؤولية المدرسة والجامعة والأسرة والمؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية.

رابعاً: المجتمع ليس متفرجاً على معركة الأمن الوطني

إن أخطر ما يمكن أن يحدث أن نترك الفضاء العام مفتوحاً أمام التحريض والكراهية وتكفير الآخر وتخوينه، ثم ننتظر من الأجهزة الأمنية وحدها أن تعالج النتائج.

فالمجتمع الذي يتسامح مع خطاب الكراهية يترك نافذة مفتوحة أمام التطرف، والمجتمع الذي يستهين بالتحريض يهيئ، من حيث لا يدري، بيئة تسمح للأفكار المنحرفة بأن تجد طريقها إلى العقول.

ولذلك فإن مسؤوليتنا جميعاً أن نكون صفاً واحداً في مواجهة الرسائل المتطرفة، وأن نمارس وعياً نقدياً تجاه ما نتلقاه عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، وألا نكون أدوات لإعادة نشر الشائعات أو ترويج خطاب الفتنة أو تمرير أجندات تستهدف النسيج الوطني.

ليس المطلوب تقييد حرية الرأي والتعبير، ولا تحويل الاختلاف إلى موضع اشتباه؛ بل المطلوب حماية الحرية من أن تتحول إلى غطاء للتحريض على العنف، وحماية الاختلاف من أن يصبح مدخلاً لرفض الآخر أو استباحة حقوقه. فحرية التعبير حق، والتحريض على الإرهاب والكراهية قضية أخرى تماماً.

خامساً: الإقليم المشتعل والبيئة التي تتغذى منها الأفكار المتطرفة

لا يمكن قراءة ما يحدث في الأردن بمعزل عن محيط إقليمي يعيش اضطرابات عسكرية وأمنية وسياسية واقتصادية متلاحقة. فالمنطقة ليست في حالة استقرار مكتمل، والتوترات الممتدة عبر الحدود، وتراجع الثقة، وتنامي الصراعات، كلها عوامل تفرض على الدول مزيداً من اليقظة.

وفي مثل هذه البيئات، تصبح الأفكار المتطرفة أكثر قابلية للانتشار، وتجد الجماعات العنيفة في الفوضى فرصةً لإعادة إنتاج خطابها وتوسيع دوائر تأثيرها.

لكن علينا أن نميّز بين وجود بيئة إقليمية مضطربة وبين إثبات ارتباط أي حادثة بعينها بجهة خارجية أو تنظيم محدد؛ فذلك شأن التحقيقات والأدلة، وليس مجالاً للاستنتاجات المتسرعة. ومع ذلك، فإن استهداف أمن الأردن واستقراره يظل احتمالاً يستوجب اليقظة والاستعداد، من دون تهويل أو استسلام للقلق.

سادساً: من ردّ الفعل إلى الاستراتيجية الوطنية العابرة للحكومات

إن المطلوب اليوم ليس إجراءات ظرفية تنتهي بانتهاء الحدث، ولا بيانات إدانة تتكرر كلما وقعت جريمة، بل استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة التطرف والإرهاب، عابرة للحكومات والسنوات، تتجدد أدواتها ولا تتغير أهدافها.

استراتيجية تبدأ من المدرسة، حيث تتشكل العقول، وتمر بالجامعة، حيث تتبلور الأسئلة والرؤى، وتصل إلى المسجد والكنيسة، حيث تتعزز قيم الاعتدال والتسامح، وتمتد إلى الأسرة، حيث تتكون البوصلة الأخلاقية للإنسان، ولا تنتهي عند الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تتصارع الأفكار وتُصنع الاتجاهات.

نحتاج إلى تحصين فكري لا يكتفي بمواجهة الفكرة بعد انتشارها، بل يبني مناعة المجتمع قبل وصولها؛ وإلى خطاب وطني يرسخ احترام الآخر، ويواجه الكراهية، ويفكك أوهام التفوق والإقصاء، ويؤكد أن المواطنة لا تتجزأ، وأن الاختلاف الديني والفكري والثقافي ليس تهديداً للوطن، بل جزء من تنوعه الإنساني.

وهنا لا بد من الانتقال من مفهوم مكافحة الإرهاب إلى مفهوم الوقاية الوطنية الشاملة منه؛ فالوقاية ليست بديلاً عن الأمن، والأمن ليس بديلاً عن التربية والثقافة والعدالة وسيادة القانون، بل إن هذه المسارات تتكامل لتشكّل جداراً وطنياً واحداً.

سابعاً: لا تجعلوا من المحاسبة انفعالاً، ولا من النقد وقوداً للفتنة

وثمة مسألة لا تقل أهمية عن المسائل السابقة، وهي سرعة انجرار بعض أصحاب الرأي، ومن بينهم شخصيات أكاديمية وسياسية وخبرات أمنية سابقة نحترمها ونقدّر تاريخها، إلى المطالبة بمحاسبة المسؤولين أو تغييرهم فور وقوع حادث أمني.

إننا لا نعترض على النقد، ولا نرفض المساءلة، ولا نطالب بمنح أي مسؤول حصانة من التقييم؛ فالمناصب العامة مسؤولية، والمساءلة حق دستوري ومؤسسي، والمراجعة المهنية ضرورة لا غنى عنها. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه: هل يُقاس نجاح المؤسسة أو إخفاقها بحادثة واحدة، أم بمجموع أدائها ونتائجها وقدرتها على حماية المجتمع؟

وهل يكون تغيير مسؤول، لمجرد وقوع حادث، دليلاً على معالجة الخلل، حتى قبل تحديد طبيعة الخلل وأسبابه ومسؤولياته؟

إن استبدال الأشخاص ليس وصفة سحرية لمعالجة المشكلات، كما أن بقاء الأشخاص ليس ضمانة لعدم تكرارها. المعيار هو الوقائع، والأدلة، والتقييم المؤسسي، والمساءلة التي تصل إلى المسؤولية الفعلية، لا المسؤولية التي تصنعها الانفعالات.

وفي الوقت نفسه، يجب أن ننتبه إلى أن هناك من قد يستثمر حالة القلق والغضب لتوسيع دائرة التشكيك، أو دفع النقاش العام نحو الاستقطاب والفتنة، أو توظيف الأحداث في سياقات لا تخدم المصلحة الوطنية. لذلك علينا ألا نكون أسرى حسن النية حين نعيد إنتاج خطاب قد يخدم، من حيث لا نقصد، أجندات مشبوهة. فالنقد الواعي يبني، أما التحريض فيبحث عن شقوق الجدار ليوسّعها.

الخاتمة

إن الأردن لا يواجه مجرد حوادث أمنية منفصلة، بل يواجه تحدياً يتصل بطبيعة الإرهاب المتحول، وبالبيئة الفكرية والاجتماعية والإقليمية التي قد تغذيه. ومن هنا فإن المواجهة لا ينبغي أن تكون أمنية فقط، ولا إعلامية فقط، ولا تربوية فقط؛ بل منظومة وطنية متكاملة، تتوزع فيها المسؤولية ولا تتشتت، وتتعدد فيها الأدوات ولا تتناقض.

نحن بحاجة إلى دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع متماسك بوعيه، ومواطن محصّن بفكره، ومؤسسات تراجع أداءها بشجاعة، من دون أن تهدم ثقتها بنفسها، أو تسمح للمتربصين بتحويل كل أزمة إلى فرصة للنيل من استقرارها.

لقد علمتنا الصحراء أن من يكتفي بالنظر إلى سطحها قد يضل الطريق، وأن من يظن أنه أحاط بكل أسرارها قد يكون أول من يقع في فخها. وكذلك الإرهاب؛ لا يُهزم بمجرد إدانته، ولا يُواجه بمجرد مطاردة مرتكبيه بعد وقوع الجريمة، وإنما بتجفيف منابع الفكر المتطرف، وتحصين المجتمع، وتطوير قدرات الدولة، وترسيخ سيادة القانون.

وليس هكذا تُورَد الإبل؛ فلا تُدار الأوطان بردود الأفعال، ولا تُحمى المؤسسات بالانفعالات، ولا يُصان الاستقرار بالصمت عن الأخطاء أو بتضخيمها، وإنما بالوعي والمسؤولية والعدالة والعمل المتراكم.

فالأمن ليس أن ننتصر على الجريمة بعد وقوعها فحسب، بل أن نبني وطناً تصبح فيه الأفكار المنحرفة عاجزة عن التحول إلى رصاص، وتصبح فيه الوحدة الوطنية أقوى من كل يد تحاول تمزيقها.

مدار الساعة ـ