لم يعد ما تشهده المملكة من أحداث أمنية خطيرة مجرد حوادث عابرة يمكن التعامل معها ببيانات الاستنكار التقليدية، بل أصبح يستوجب وقفة وطنية جادة، ومراجعة مؤسسية مسؤولة، وموقفاً حازماً يضع أمن الأردن واستقراره وهيبة دولته فوق كل اعتبار.
فبعد الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك، وما حمله من اعتداء على حرية العبادة والتعايش الديني، جاء استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة، إثر تعرضه لاعتداء إرهابي أثناء تأدية واجبه في العاصمة عمّان، ليضيف جرحاً جديداً إلى وجدان الأردنيين، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول مواجهة التطرف وحماية المجتمع من خطر الإرهاب.إن استهداف دور العبادة ليس اعتداءً على أتباع دين بعينه، بل اعتداء على الأردن بكل مكوناته. فالكنيسة والمسجد جزء من الهوية الوطنية، وحرية العبادة حق دستوري وإنساني لا يجوز المساس به.وكذلك فإن استهداف رجل أمن أثناء قيامه بواجبه ليس مجرد جريمة بحق فرد، بل اعتداء على مؤسسة وطنية تحمل مسؤولية حماية المواطنين وصون أمنهم.إن الاعتداء على رجل الأمن اعتداء على هيبة الدولة وسيادة القانون، والاعتداء على دور العبادة اعتداء على وحدة المجتمع وكرامة الوطن.لكن ما يجعل حادثة استشهاد العريف جواد السلايطة أكثر إثارة للتساؤلات هو ما نشرته وسائل إعلام أردنية حول مراجعة حكم قضائي سابق لمحكمة التمييز، يشير إلى أن شخصاً يحمل الأحرف الأولى ذاتها للمشتبه به في حادثة الطعن سبق أن أُدين في قضية إرهابية تعود إلى عام 2019، وصدر بحقه حكم بالأشغال المؤقتة لمدة تسع سنوات، على خلفية التخطيط لاستهداف مركز أمن إربد الشمالي والترويج لأفكار تنظيم داعش الإرهابي.وهنا لا بد من التوضيح أن تطابق الأحرف الأولى لا يكفي وحده للجزم بأن المحكوم السابق هو الشخص الموقوف في القضية الجديدة، إذ يتطلب ذلك تأكيداً رسمياً لهويته ووضعه القانوني والتنفيذي.لكن هذه المعلومات، إن تأكد التطابق، تضعنا أمام سؤال وطني ومؤسسي بالغ الأهمية:كيف يمكن لشخص سبق أن أُدين في قضية إرهابية خطيرة، وتورط في التخطيط لاستهداف مركز أمني، أن يعود ليشكل تهديداً لأرواح الأردنيين؟هذا السؤال ليس اتهاماً لمؤسسة بعينها، ولا محاولة لاستباق نتائج التحقيق، بل هو مطالبة مشروعة بمراجعة منظومة الوقاية وتقييم المخاطر ومتابعة المحكومين في القضايا الإرهابية بعد الإفراج عنهم، وفق القانون والضمانات القضائية.فمواجهة الإرهاب لا تبدأ عند وقوع الجريمة، بل تبدأ قبلها، من خلال رصد مؤشرات الخطورة، ومراجعة برامج التأهيل، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المختصة، وضمان عدم تحول أي ثغرة إلى فرصة جديدة تهدد حياة الأبرياء.إننا بحاجة إلى الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الوقاية الاستباقية، ومن الاكتفاء بإعلان نتائج التحقيقات إلى دراسة الأسباب والثغرات التي قد تسمح بتكرار مثل هذه الجرائم.وفي هذا السياق، فإن دعم الأجهزة الأمنية لا يكون بالشعارات وحدها، بل بتوفير الإمكانات والتدريب والحماية اللازمة لمنتسبيها، وتطوير قدراتها في مواجهة التهديدات المتغيرة، ومحاسبة أي تقصير يثبت وفق القانون.كما أن مسؤولية مواجهة التطرف لا تقع على الأجهزة الأمنية وحدها؛ فهي مسؤولية وطنية تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية، وصولاً إلى مؤسسات الدولة كافة.ولا يجوز أن نسمح للإرهاب بأن ينجح في تحقيق أحد أخطر أهدافه، وهو تفكيك النسيج الاجتماعي الأردني وإثارة الفتنة بين أبناء الوطن الواحد.فالمسلم والمسيحي في الأردن ليسا طرفين في معادلة سياسية أو اجتماعية، بل شريكان في تاريخ هذا الوطن وحاضره ومستقبله. ولا يمكن لأي فكر متطرف أن ينتزع من الأردنيين حقهم في العيش المشترك أو أن يفرض عليهم الخوف والانقسام.إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على القبض على المجرمين بعد ارتكاب جرائمهم، بل بقدرتها على منع الجريمة وحماية المواطنين قبل أن يدفعوا ثمنها من أرواحهم.ومن هنا، فإننا نطالب بموقف مؤسسي واضح يتضمن:* مراجعة آليات متابعة وتقييم مخاطر المحكومين في القضايا الإرهابية بعد الإفراج عنهم.* تعزيز الإجراءات الوقائية والاستخباراتية لحماية رجال الأمن والمواقع الحيوية ودور العبادة.* مراجعة برامج مكافحة التطرف وإعادة التأهيل، وقياس مدى فاعليتها.* إعلان نتائج التحقيقات للرأي العام بالقدر الذي تسمح به مقتضيات العدالة وسرية التحقيق.* ترسيخ مبدأ المساءلة المؤسسية، بحيث لا يبقى أي تقصير دون مراجعة أو معالجة.إننا لا نبحث عن تصفية حسابات، ولا عن توجيه اتهامات جزافية، ولا عن إثارة الخوف بين الأردنيين. نحن نريد دولة قوية بمؤسساتها، عادلة بقوانينها، يقظة في مواجهة التهديدات، وقادرة على حماية كل مواطن دون تمييز.لقد كان الأردن وسيبقى نموذجاً في التماسك الوطني، رغم كل ما تشهده المنطقة من صراعات وتحديات. وهذه مسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً، حكومة ومؤسسات ومواطنين، حتى لا نسمح لأصحاب الفكر المتطرف بأن يعبثوا بأمننا أو يختبروا صبر هذا الوطن.وأمام دماء ضحايا الاعتداء على الكنيسة، ودماء شهيد الواجب العريف جواد السلايطة، يجب أن يكون صوتنا واحداً وموقفنا واضحاً:لا للإرهاب، لا للتطرف، لا للتحريض، لا لخطاب الكراهية، ولا للاعتداء على رجال الأمن أو دور العبادة أو أي مواطن أردني.نريد دولة لا تنتظر وقوع الكارثة حتى تتحرك، ومؤسسات لا تكتفي بمعالجة النتائج، بل تعمل على منع الأسباب، وعدالة تحمي الإنسان وتصون هيبة القانون.إن الدفاع عن الأردن ليس شعاراً نرفعه عند الأزمات، بل مسؤولية وطنية مستمرة، تبدأ بحماية الإنسان، وتمر بصون المؤسسات، وتنتهي بالحفاظ على وطن آمن ومستقر لجميع أبنائه.رحم الله شهداء الوطن، ورحم العريف جواد السلايطة، وحمى رجال الأمن العام والقوات المسلحة، وحفظ الأردن قيادةً وشعباً.الأردن أكبر من الإرهاب، وأقوى من الفتنة، وهيبة الدولة ووحدتها الوطنية خط أحمر لا يقبل المساومة.حمى الله الأردن.من استهداف دور العبادة إلى استهداف رجال الأمن… من يحمي الأردن من عودة الإرهاب؟
مدار الساعة ـ