أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عقارب الساعة لا تسمع أنين الأهالي


جوان الكردي

عقارب الساعة لا تسمع أنين الأهالي

مدار الساعة ـ

يبدو أن عقارب الساعة في الأردن أقوى من أصوات الناس، فمع كل اقتراب لفصل الشتاء يتجدد الجدل حول التوقيت، وتتكرر المطالبات بإعادة العمل بالتوقيت الشتوي، وتتوالى شكاوى الأهالي والطلبة والموظفين، لكن النتيجة تبقى كما هي، وكأن كل هذه الأصوات لا تجد من يصغي إليها.

لسنا أمام خلاف على ستين دقيقة، ولا أمام معركة بين من يحب التوقيت الصيفي ومن يفضل الشتوي، نحن أمام قضية تمس حياة الناس وسلامتهم، وقبل كل شيء تمس أطفالاً لا يملكون حق اختيار موعد خروجهم من منازلهم، ولا يملكون القدرة على الاعتراض على قرار يحدد لهم متى يبدأ يومهم الدراسي.

أي منطق يجعل طفلاً يغادر منزله والظلام لا يزال يلف الشوارع؟ وأي مسؤولية اجتماعية نتحدث عنها حين يضطر طلبة المدارس إلى السير في طرق شبه خالية، وسط البرد والعتمة، وفي مناطق تعاني أصلاً من انتشار الكلاب الضالة؟

هل فكّر أصحاب القرار في طفل ينتظر وسيلة النقل المدرسية عند زاوية شارع مظلم؟ أو طفلة تسير مع شقيقتها الصغيرة نحو المدرسة، بينما عينا والدتهما تلاحقانهما بقلق حتى تختفيا عن الأنظار؟

إن الكلاب الضالة ليست تفصيلاً عابراً في هذا المشهد، بل مصدر قلق حقيقي للأهالي في عدد من المناطق، ولا يجوز التعامل مع مخاوفهم وكأنها مبالغة أو تهويل. فالطفل الذي يخرج إلى المدرسة لا يحمل مسؤولية معالجة اختلالات التوقيت، ولا مسؤولية ضعف الإنارة، ولا مشكلة النقل، لكنه يتحمل نتائجها على أرض الواقع.

والأكثر إثارة للاستغراب أن هذا الجدل لم يظهر اليوم، بل يتكرر منذ سنوات. وفي كل مرة تخرج أصوات المواطنين لتشرح معاناتهم، وتُطرح المطالبات النيابية، وتُكتب الشكاوى، ثم نعود إلى النقطة ذاتها في الشتاء التالي.

وهنا يبرز سؤال لا بد أن تجيب عنه الحكومة بوضوح: لماذا لا يُسمع صوت الناس؟ وهل أصبحت القرارات التي تمس تفاصيل حياتهم تُقاس فقط بما يراه بعض المسؤولين مناسباً، من دون أن يكون لتجربتهم اليومية وزن حقيقي في مراجعة تلك القرارات؟

الحكومة تحدثت عند تثبيت التوقيت الصيفي عن دراسات تتعلق باستثمار ساعات النهار وتوفير الطاقة، لكن أين الأرقام التفصيلية التي توضح حجم الوفر الفعلي؟ وهل وُضعت في المقابل كلفة استهلاك الكهرباء صباحاً، حين تُضاء المنازل والمدارس وتعمل وسائل التدفئة قبل شروق الشمس؟ وأين تقييم الأثر على سلامة الطلبة والأسر والموظفين؟

ثم إن إبقاء التوقيت كما هو، مع تثبيت دوام المدارس هذا العام، يطرح تساؤلات إضافية. فهل جرى الاستماع فعلاً إلى أولياء الأمور في مختلف المحافظات والقرى والأطراف، أم أن ما يصل إلى الجهات المعنية لا يعكس بالضرورة حجم المعاناة التي يعيشها الناس؟

لسنا ضد التطوير، ولا ضد أي قرار تثبت الدراسات فائدته، لكن الإدارة العامة ليست أرقاماً وجداول فقط؛ إنها أيضاً إحساس بالناس، وفهم لظروفهم، وقدرة على مراجعة القرار عندما تظهر آثاره على أرض الواقع.

ومن حق المواطن أن يسأل، ومن حق الآباء والأمهات أن يعترضوا، ومن حق الطالب أن يصل إلى مدرسته بأمان. وليس مقبولاً أن تتحول مطالب الأهالي في كل شتاء إلى مجرد منشورات وتعليقات على مواقع التواصل، ثم تُطوى الصفحة حتى الموسم المقبل.

إن القرار الذي يمس ملايين التفاصيل الصغيرة في حياة الأردنيين لا ينبغي أن يبقى بمنأى عن المراجعة. وإذا كانت الحكومة مقتنعة بصحة خيارها، فلتخرج إلى الناس بالأرقام والدراسات، إن كانت قد أجرت مثل هذه الدراسات والتقييمات، ولتفتح حواراً حقيقياً مع الأهالي والتربويين والجهات المعنية بالسلامة العامة.

فالساعة التي نريدها ليست مجرد توقيت صيفي أو شتوي، بل توقيت يراعي الإنسان قبل الحسابات، ويحمي الطفل قبل أن يحسب ساعة إضافية من ضوء المساء.

فهل ننتظر شتاءً آخر لنعيد السؤال نفسه؟ أم أن صوت المواطن يستحق، ولو لمرّة، أن يصل إلى مكان صنع القرار؟

مدار الساعة ـ