عندما كتبت عام 2023 عن ضرورة توسيع صلاحيات المحافظين في الأردن، كانت الفكرة تقوم على أن المحافظات ليست وحدات إدارية جغرافية لإدارة الشؤون الأمنية والخدمية فحسب، وإنما هي وحدات اقتصادية وتنموية تمتلك فرصاً وموارد وميزات تنافسية يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني. واليوم، وبعد ما شهدته المملكة من تطورات في مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، أعتقد أن هذه الفكرة أصبحت أكثر إلحاحاً، وأن المطلوب لم يعد مجرد توسيع صلاحيات المحافظين، بل الانتقال إلى نموذج متكامل لحوكمة التنمية المحلية.
لقد قطعت الدولة الأردنية خطوات مهمة في هذا الاتجاه، وجاء قانون الإدارة المحلية رقم (16) لسنة 2026 ليشكل محطة تشريعية جديدة في تنظيم العمل البلدي والإدارة المحلية، وتعزيز الحوكمة والمساءلة والمشاركة المجتمعية، وربط العمل البلدي بالتنمية الاقتصادية والاستثمارية. وهذا تطور مهم ينبغي البناء عليه، لا الاكتفاء بالنظر إليه باعتباره تعديلاً تشريعياً أو إعادة ترتيب للمؤسسات القائمة.لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: كيف نضمن أن تتحول هذه التشريعات والهياكل الإدارية إلى تنمية ملموسة في حياة المواطنين، وفرص عمل واستثمارات ومشاريع إنتاجية في مختلف المحافظات؟المحافظة ليست مجرد حدود إدارية.. بل اقتصاد متكامللدينا اثنتا عشرة محافظة، ولكل منها خصوصيتها الجغرافية والموارد الطبيعية والبشرية، وموقعها وشبكات النقل والبنية التحتية، وفرصها الزراعية والصناعية والسياحية والتجارية واللوجستية. ومن غير المنطقي أن نتعامل مع هذه المحافظات بمنهج تنموي واحد، أو أن ننتظر من المركز في عمان أن يقرر التفاصيل التنموية لكل منطقة، دون استثمار كافٍ في المعرفة المحلية والميزة التنافسية لكل محافظة.نحن بحاجة إلى أن تكون لكل محافظة هويتها الاقتصادية وخطتها التنموية الاستثمارية الواضحة، المبنية على تحليل علمي لنقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات (SWOT)، وعلى نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، وتحليل استعمالات الأراضي، والموارد الطبيعية، والقدرات البشرية، والأسواق، وشبكات النقل، والاحتياجات البيئية والمائية والمناخية.وليس المطلوب إعداد خطط جميلة على الورق، بل تحديد مشاريع ذات جدوى اقتصادية، ومواقعها، وكلفها، ومصادر تمويلها، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، وعدد فرص العمل التي ستوفرها، والعائد المتوقع منها، والمدة الزمنية اللازمة لإنجازها.أين تكمن المشكلة؟لدينا في المحافظات بلديات، ومجالس محلية ومحافظات، ومجالس تنفيذية، ومديريات وزارات ومؤسسات حكومية، وجامعات، ومدن ومناطق تنموية وصناعية، وهيئات ومؤسسات مستقلة، وغرف تجارة وصناعة وزراعة، وقطاع خاص ومؤسسات مجتمع مدني.وهذا التنوع المؤسسي يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أحسن تنظيمه، لكنه قد يتحول إلى مصدر تداخل في الاختصاصات وتشتت في المسؤوليات إذا غابت القيادة التنسيقية والرؤية المشتركة.وهنا تبرز أسئلة مشروعة: هل تعمل هذه المؤسسات وفق خطة تنموية واحدة؟ هل تتكامل موازناتها ومشاريعها؟ هل نعرف بدقة حجم الإنفاق التنموي في كل محافظة، وما الذي تحقق مقابله من بنية تحتية واستثمارات وفرص عمل؟ وهل لدينا قاعدة بيانات موحدة للمشاريع القائمة والمتعثرة والفرص الاستثمارية والأراضي المتاحة والموارد والاحتياجات؟وكم من مشروع أُدرج في الموازنات ولم يحقق أثره التنموي المتوقع؟ وكم من فرصة استثمارية بقيت معلقة بسبب تعدد المرجعيات أو بطء الإجراءات أو غياب جهة قادرة على جمع الأطراف وحسم التعارضات ضمن القانون؟إن المشكلة ليست بالضرورة في نقص المؤسسات، بل ربما في طريقة عملها وعلاقاتها ببعضها، وفي غياب المساءلة القائمة على النتائج والأثر التنموي.قانون الإدارة المحلية الجديد.. فرصة لا ينبغي تفويتهاإن صدور قانون الإدارة المحلية رقم (16) لسنة 2026 يمثل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين المجالس المنتخبة والإدارات التنفيذية، وتطوير التخطيط المحلي، وتعزيز استقلالية المجالس وصلاحياتها، ورفع مستوى الشفافية ونشر تقارير الأداء المالي والإداري والمشاريع.لكن نجاح القانون لا يتوقف على نصوصه وحدها، وإنما على الأنظمة والتعليمات التي ستترجم أحكامه إلى ممارسة، وعلى وضوح العلاقة بين وزارة الإدارة المحلية والمحافظين والمجالس البلدية ومجالس المحافظات والمجالس التنفيذية والدوائر الحكومية.ومن المهم الإشارة إلى أن القانون نص على نفاذه بعد ستين يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، وبالتالي فإن المرحلة الحالية تتطلب الاستعداد الجاد لتطبيقه، وتوفير متطلبات نجاحه المؤسسية والإدارية والمالية.وأرى أن علينا أن نتجنب إنتاج طبقات إدارية جديدة فوق الطبقات القائمة، وأن نركز على توحيد الرؤية، وتحديد المسؤوليات، وتفويض الصلاحيات، وتكامل الموازنات، ومنع الازدواجية، وربط كل ذلك بمؤشرات أداء قابلة للقياس.المحافظ.. من إدارة الشؤون المحلية إلى قيادة التنسيق التنمويهنا نعود إلى جوهر الفكرة التي طرحتها عام 2023: إن المحافظ يجب أن يكون أكثر قدرة على قيادة المسار التنموي في محافظته، وليس مجرد حلقة إدارية بين المركز والدوائر الحكومية.ولا يعني ذلك أن يصبح المحافظ بديلاً عن رؤساء البلديات أو المجالس المنتخبة أو مديري المؤسسات أو مجالس إدارات الهيئات المستقلة، ولا أن تنتقل إليه صلاحياتهم القانونية، وإنما أن تكون لديه صلاحيات تنسيقية وتنفيذية مفوضة بوضوح، تمكنه من متابعة الأولويات التنموية، وجمع المؤسسات حول برنامج عمل مشترك، ومعالجة التعثرات، ورفع القرارات التي تتطلب تدخلاً مركزياً، ومتابعة تنفيذها.ومن هنا أقترح تطوير دور المجلس التنفيذي في المحافظة ليصبح منصة فعلية لقيادة التنسيق التنموي، برئاسة المحافظ، وبمشاركة رؤساء البلديات والجهات التنفيذية وممثلي القطاعات الاقتصادية والجامعات والقطاع الخاص، وفق تنظيم قانوني يضمن عدم المساس باختصاصات المجالس المنتخبة والمؤسسات المستقلة.ويكون لهذا المجلس برنامج تنموي سنوي ومتعدد السنوات، ومصفوفة واضحة للمشاريع والمسؤوليات والتمويل ومؤشرات الإنجاز، مع اجتماعات دورية لمراجعة الأداء، ونشر نتائج المتابعة أمام المواطنين.كما أرى أهمية تطوير القدرات الفنية والإدارية للمحافظين وفرق العمل المساندة لهم، بحيث تتوفر في كل محافظة خبرات في التخطيط الاقتصادي والاستثمار وإدارة المشاريع وتحليل البيانات والمعلومات الجغرافية، إلى جانب الخبرات الإدارية والأمنية والاجتماعية التي تقتضيها طبيعة عمل المحافظة.من الميزة الجغرافية إلى الميزة الاقتصاديةمن المهم أن ننتقل من مفهوم توزيع المشاريع على المحافظات إلى مفهوم بناء اقتصادات محلية متخصصة ومتكاملة.فالعقبة تمتلك موقعاً بحرياً ولوجستياً استراتيجياً، وإمكانات في السياحة والصناعات والخدمات البحرية والاقتصاد الأزرق. وإربد تمتلك قاعدة جامعية وعلمية وبشرية يمكن البناء عليها في التكنولوجيا والصناعات الدوائية والخدمات المعرفية والزراعة الحديثة. والزرقاء تمتلك قاعدة صناعية ولوجستية، والمفرق إمكانات زراعية وحدودية ولوجستية، والكرك والطفيلة ومعان تمتلك موارد ومقومات في التعدين والطاقة والسياحة والمنتجات المحلية، فيما تمتلك عجلون وجرش والبلقاء فرصاً سياحية وبيئية وزراعية وتراثية متنوعة.ولا يعني ذلك حصر محافظة في قطاع واحد، وإنما تحديد قطاعاتها ذات الأولوية، وبناء سلاسل قيمة تربط الإنتاج والتصنيع والتسويق والنقل والخدمات، وتحقق التكامل مع المحافظات الأخرى.كما ينبغي ألا نغفل أن الميزة التنافسية لا تُبنى بالموارد الطبيعية وحدها، بل بالمعرفة والمهارات والتكنولوجيا والقدرة على الابتكار، وجودة البنية التحتية والخدمات، وسهولة الاستثمار، وتوفر المياه والطاقة، والاستقرار التشريعي والإداري.التحديث الاقتصادي يبدأ من المحافظاتإن رؤية التحديث الاقتصادي وبرنامجها التنفيذي للمرحلة 2026-2029 يقدمان إطاراً وطنياً مهماً للانتقال بالاقتصاد الأردني إلى مستويات أعلى من الإنتاجية والاستثمار والتشغيل. لكن الاختبار الحقيقي لنجاح هذه الرؤية سيكون في قدرتها على الوصول إلى المحافظات، وتحويل المبادرات الوطنية إلى مشاريع وفرص اقتصادية موزعة مكانياً وفق ميزات كل منطقة.ولا بد من أن تكون لكل محافظة حصة واضحة من التنفيذ، لا بمعنى التوزيع الحسابي للمشاريع أو الأموال، بل وفق الجدوى الاقتصادية والعدالة التنموية والاحتياجات الفعلية.فلا يجوز أن نقيس نجاح أي خطة بعدد المشاريع التي أُعلن عنها، أو بحجم الموازنات التي خُصصت لها، بل بما أنجزته فعلياً، وما وفرته من فرص عمل مستدامة، وما استقطبته من استثمارات، وما أحدثته من تحسن في دخل الأسر وجودة الخدمات ومستوى المعيشة.وأقترح أن يكون لدينا تقرير تنموي سنوي لكل محافظة، يتضمن مؤشرات الإنفاق الرأسمالي، ونسب إنجاز المشاريع، والاستثمارات المستقطبة، وفرص العمل المستحدثة، ومعدلات البطالة والفقر، ومستوى الخدمات، وكفاءة استخدام الموارد الطبيعية، ومدى التقدم في تنفيذ الخطة التنموية.التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في خدمة المحافظاتلم يعد مقبولاً أن تُدار التنمية المحلية اعتماداً على الانطباعات أو المعلومات المتفرقة أو التقارير التقليدية. نحن في مرحلة تتيح فيها نظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والنمذجة المكانية بناء أدوات أكثر دقة لتحديد مواقع المشاريع، وتقدير احتياجات السكان، وتحليل المخاطر، واختيار المواقع الاستثمارية، وقياس العائد التنموي والبيئي.وأقترح تأسيس منصة رقمية تنموية لكل محافظة، مرتبطة بمنصة وطنية موحدة، تعرض المشاريع والفرص الاستثمارية والأراضي والموارد والبنية التحتية والبيانات السكانية والاقتصادية، وتتيح متابعة التنفيذ والتعثر والإنفاق والنتائج بصورة شفافة.وهذا من شأنه أن ينقل الإدارة المحلية من رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي، ومن معالجة المشكلات بعد وقوعها إلى توقعها والاستعداد لها.التنمية المحلية ليست اقتصاداً فقطلا يمكن الحديث عن تنمية المحافظات بمعزل عن المياه والطاقة والبيئة والتغير المناخي والنقل والتعليم والصحة والخدمات العامة.فالمشاريع الصناعية والزراعية والسياحية يجب أن تُبنى على قدرة الموارد المائية والبيئية، وأن تراعي الاستدامة وكفاءة استخدام الأراضي والطاقة، وأن تحقق توازناً حقيقياً بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.كما أن الجامعات ومؤسسات التعليم والتدريب المهني يجب أن تكون شريكاً مباشراً في تحديد احتياجات سوق العمل المحلي، وتأهيل الشباب للوظائف التي ستوجدها الاستثمارات، بدلاً من استمرار الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد.ومن هنا يمكن أن تصبح المحافظة مختبراً للتنمية المستدامة، تتكامل فيه المعرفة والابتكار والاستثمار والإدارة المحلية.نحو عقد تنموي جديد بين المركز والمحافظاتإن ما نحتاج إليه اليوم هو إعادة صياغة العلاقة التنموية بين الحكومة المركزية والمحافظات، بحيث تحتفظ الدولة بوظيفتها في رسم السياسات الوطنية وتحديد الأولويات الكبرى والرقابة وضمان العدالة بين المناطق، مقابل منح المستوى المحلي مساحة أوسع في التخطيط والتنفيذ وإدارة الأولويات ضمن الصلاحيات القانونية والمالية المقررة.ويجب أن يترافق ذلك مع تفويض حقيقي للصلاحيات، وموازنات مرتبطة بالنتائج، ومساءلة واضحة، وتقييم دوري، وتدريب وتأهيل، وشراكة فاعلة مع القطاع الخاص والمجتمع المحلي.كما نحتاج إلى لقاءات دورية على مستوى رئيس الوزراء والوزراء والمحافظين ورؤساء البلديات والجامعات وغرف الصناعة والتجارة والزراعة وممثلي القطاع الخاص، ليس لمجرد تبادل وجهات النظر، وإنما لمراجعة الإنجاز وحل المشكلات واتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها.إن المواطن في معان أو الطفيلة أو الكرك أو المفرق أو العقبة أو إربد لا يريد أن يسمع عن الخطط والرؤى فقط، بل يريد أن يرى مشروعاً يعمل، وفرصة عمل تتوفر، وخدمة تتحسن، واستثماراً يصل إلى منطقته، وأفقاً أفضل لأبنائه.الخلاصة: المحافظات فرصة الأردن الكبرىلقد آن الأوان أن ننظر إلى المحافظات باعتبارها فرصاً اقتصادية وتنموية متكاملة، لا باعتبارها وحدات إدارية تنتظر المخصصات والمشاريع من المركز.إن تمكين المحافظات لا يعني إضعاف الدولة المركزية أو تفكيك وحدتها الإدارية، بل يعني تعزيز قدرتها على التنمية من خلال توزيع أكثر كفاءة للمسؤوليات والفرص، وتحرير الطاقات المحلية، وتوظيف الميزات التنافسية لكل منطقة.ونحن بحاجة إلى محافظات منتجة، لا محافظات مستهلكة للموازنات؛ وإلى مؤسسات متكاملة، لا مؤسسات متجاورة؛ وإلى خطط قابلة للتنفيذ، لا وثائق تبقى على الرفوف؛ وإلى مسؤولين يُقاس نجاحهم بما يحققونه من نتائج وأثر في حياة الناس.إن الأردن يمتلك من الموارد البشرية والجغرافية والطبيعية والمعرفية ما يؤهله لبناء نموذج تنموي محلي متقدم، لكن ذلك يتطلب شجاعة في تطوير الإدارة، ووضوحاً في توزيع الصلاحيات، وإرادة في الانتقال من إدارة الملفات إلى صناعة الإنجاز.فالمحافظة التي تستطيع أن تخطط وتستثمر وتنتج وتوفر فرص العمل، ستكون رافعة للاقتصاد الوطني، وشريكاً حقيقياً في استقرار الدولة وقوتها ومستقبلها.من صلاحيات المحافظين إلى قيادة التنمية المحلية: هل آن الأوان لإعادة تنظيم إدارة المحافظات في الأردن؟
أ.د محمد الفرجات
من صلاحيات المحافظين إلى قيادة التنمية المحلية: هل آن الأوان لإعادة تنظيم إدارة المحافظات في الأردن؟
مدار الساعة ـ