أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ثلاث رسائل ملكية لمؤسسات الدولة: برلمان فاعل، قانون فوق الجميع، ومواطن شريك


أ.د. تحسين منصور
قسم الصحافة والإعلام والاتصال الرقمي – الجامعة الأردنية

ثلاث رسائل ملكية لمؤسسات الدولة: برلمان فاعل، قانون فوق الجميع، ومواطن شريك

أ.د. تحسين منصور
أ.د. تحسين منصور
قسم الصحافة والإعلام والاتصال الرقمي – الجامعة الأردنية
مدار الساعة ـ

لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين خطاباً دستورياً تقليدياً، بل حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بطبيعة المرحلة، وبالمسؤوليات الملقاة على مؤسسات الدولة، وبضرورة إعادة الاعتبار للثقة بين المواطن والمؤسسات.

ويمكن اختصار هذه الرسائل في ثلاثة محاور مترابطة: برلمان فاعل، ودولة يحكمها القانون، ومواطن شريك في القرار.

أولاً: مجلس الأمة.. من شرعية التمثيل إلى مسؤولية الإنجاز

عندما يؤكد الملك أن مجلس الأمة ركن أساس في الحياة السياسية، وأن الأمة مصدر السلطات، فإنه يضع المؤسسة التشريعية أمام مسؤولية تتجاوز الأدوار الإجرائية. فالمطلوب مجلس يكون صوتاً للوطن، وحارساً للمصلحة العامة، ورقيباً جاداً على الأداء الحكومي، لا مجلساً يكتفي بالاستعراض السياسي أو الحسابات الضيقة.

والعبارة الأكثر دلالة في هذا المجال قوله إن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن القبة من قوانين فقط، بل إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب. فالثقة لا تُبنى بالنصوص وحدها، بل بمستوى خطاب الممثلين واحترامهم للمسؤولية. كما أن تأكيد الملك أن الاختلاف في الرأي مصدر قوة، ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية، دعوة إلى ترسيخ ثقافة التعددية والحوار، لا الخصومة والتجاذب.

ثانياً: سيادة القانون.. لا حصانة لمنصب ولا امتياز لنفوذ

في محور لا يقل أهمية، جاءت رسالة الملك بشأن الوظيفة العامة حاسمة: لا مكان لمن يظن أن المنصب تشريف يرفعه عن خدمة الناس، ولا حصانة لمن يسيء استخدامه أياً كان.

والعبارة التي تختصر الموقف هي: «القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً». وهي تتجاوز بعدها القانوني لتشكل إعلاناً عن طبيعة الدولة التي يريدها الأردنيون: دولة مؤسسات لا دولة أشخاص، ودولة قانون لا دولة امتيازات.

فهيبة الدولة لا تتحقق فقط بفرض القانون، بل بتطبيقه بعدالة على الجميع دون استثناء. وتأكيد الملك أن الوظيفة العامة خدمة للناس يضع الإدارة أمام استحقاق حقيقي: تطوير الأداء، ومكافحة البيروقراطية، وترسيخ النزاهة والمساءلة، بحيث يشعر المواطن أنه أمام مؤسسة وُجدت لخدمته لا لممارسة سلطة عليه.

ثالثاً: المواطن شريك في الشأن العام.. والثقة مسؤولية متبادلة

اختتم الملك خطابه بمخاطبة الأردنيين مباشرة، مؤكداً أن التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور، وأن صدر الوطن رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول. وهنا رسالة مهمة: المشاركة ليست امتيازاً تمنحه جهة، بل حق دستوري أصيل، ما دام يمارس في إطار المسؤولية واحترام القانون.

والأهم أن الملك لم يجعل الاختلاف نقيضاً للانتماء، بل ربط حب الأردن بحفظ كرامة الكلمة وأدب الاختلاف. والمجتمعات الواثقة من نفسها هي التي تسمح بتعدد الآراء وتدير اختلافاتها بالحوار والمؤسسات. لكن هذه الثقة تحمل المؤسسات مسؤولية مقابلة: الإصغاء إلى الناس، والتفاعل مع قضاياهم، والتعامل بجدية مع تطلعاتهم، لأن الثقة علاقة متبادلة لا خطاب من طرف واحد.

معادلة الدولة القوية

الربط بين هذه الرسائل يكشف عن معادلة متكاملة: برلمان يمارس دوره بمسؤولية، وإدارة تخضع للقانون والمساءلة، ومواطن يشارك ويعبّر ويختلف ضمن إطار وطني جامع. وهذه هي جوهر الإصلاح الذي يحتاجه الأردن.

والاختبار الحقيقي يبدأ بمدى استجابة المؤسسات: مجلس مطالب بأن يتجاوز التمثيل إلى التأثير، وحكومة مطالبة بأن تجعل سيادة القانون ثقافة عمل لا شعاراً، ومؤسسات مطالبة بأن تنظر إلى المواطن شريكاً في بناء المستقبل. فالأردن القوي ليس فقط بدولة مؤسساتها راسخة، بل بمواطن يشعر أن هذه المؤسسات تمثله وتحمي حقوقه وتعمل من أجل مستقبله.

مدار الساعة ـ