أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حرية التعبير وحماية السلم الاجتماعي


أ. د. ليث كمال نصراوين
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة

حرية التعبير وحماية السلم الاجتماعي

أ. د. ليث كمال نصراوين
أ. د. ليث كمال نصراوين
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ

أعادت الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة حمود في محافظة الكرك طرح تساؤل دستوري يتعلق بكيفية تنظيم العلاقة بين حرية الرأي والتعبير والمحافظة على السلم الاجتماعي ووحدة المجتمع. فقد رافقت هذه الأيام، وسبقتها أيضا، ممارسات مستهجنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تضمنت إثارة الفتن ونشر خطاب الكراهية والتطرف، وهي تصرفات تزداد خطورتها مع الانتشار الواسع للفضاء الرقمي وسهولة إنشاء حسابات وهمية للتحريض على الآخرين وإخفاء هوية المسؤولين عنها.

وتعيد هذه الممارسات إلى الواجهة إشكالية دستورية تتعلق بحدود حرية الأفراد في التعليق على الوقائع والأحداث وإبداء آرائهم الشخصية بشأنها، سواء انطلقت من قناعات فكرية أو سياسية أو دينية، ومدى ارتباط ممارسة هذا الحق بحماية السلم الاجتماعي. فالأصل أن اختلاف وجهات النظر، مهما بلغت حدتها أو تعارضت مع التوجهات السائدة، لا ينزع عنها الحماية القانونية، ما دامت في إطار التعبير المشروع ولم تتحول إلى تحريض على الكراهية أو التطرف أو العنف.

وتبرز هنا أهمية الموازنة بين الحقوق والحريات الفردية والمصالح الجماعية، فحماية وحدة المجتمع قد تستدعي فرض قيود قانونية على بعض صور التعبير، شريطة أن تكون ضرورية ومتناسبة مع الخطر المراد تجنبه، وألا تمتد إلى مصادرة الآراء المشروعة لمجرد اختلافها مع المواقف الرسمية أو المجتمعية. وعندما تتعارض ممارسة إحدى الحريات مع حماية أمن المجتمع وسلامته، يصبح من الضروري ترجيح المصلحة الجماعية، بالقدر اللازم لدفع الضرر العام.

فإن كانت المادة "15" من الدستور الأردني قد كفلت حرية الرأي والتعبير ضمن حدود القانون، فإن المادة "6" اعتبرت الدفاع عن الوطن وأرضه ووحدة شعبه والحفاظ على السلم الاجتماعي واجبا مقدسا على كل أردني، وألزمت الدولة بكفالة الطمأنينة لجميع الأردنيين. ويستفاد من الجمع بين هذه الأحكام أن حماية الوحدة الوطنية ليست مجرد اعتبار اجتماعي، بل مصلحة ذات أساس دستوري، يتعين مراعاتها عند تنظيم سائر الحقوق والحريات الفردية.

وقد تعزز هذا التوجه في بعض التشريعات المقارنة، ومن أبرزها المرسوم بقانون اتحادي رقم "34" لسنة 2023 بشأن مكافحة التمييز والكراهية والتطرف في دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي نصت المادة "3" منه على عدم جواز الاحتجاج بحرية الرأي والتعبير لإتيان أي قول أو عمل من شأنه التحريض على ازدراء الأديان أو المساس بها. فهذا النص يؤكد على أن حرية التعبير لا تصلح أساسا لتبرير الممارسات التي تنطوي على التحريض ضد الأديان أو الإساءة إليها.

وعلى المستوى القضائي، سبق للقضاء الأردني أن تعامل مع تعارض الحقوق والمصالح في قضية إضراب المعلمين عام 2019، عندما أصدرت المحكمة الإدارية قرارا مستعجلا بوقف تنفيذ الإضراب مؤقتا، خشية وقوع أضرار يصعب تداركها. وينسجم هذا القرار مع توجه قانوني سبق أن أكده الديوان الخاص بتفسير القوانين عام 2014، عندما اعتبر إضراب المعلمين مضرا بحق الطلبة في التعليم، مشددا على ضرورة اتباع المعلمين الوسائل المشروعة للمطالبة بحقوقهم.

وفي القضاء المقارن، استقر اجتهاد المحكمة الدستورية العليا المصرية على أن الآراء المختلفة تتمتع بالحماية ولو عارضها الآخرون، وأن تقييد التعبير لمجرد مضمونه يتعارض مع مقتضيات الحوار العام، إلا أنها استثنت من هذه الحماية الأقوال المحرضة على استعمال القوة وإثارة العدوان والإضرار بالآخرين، باعتبارها تتجاوز نطاق التعبير المشروع عن الرأي.

وعلى الصعيد الدولي، أجازت المادة "19" من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 تقييد حرية التعبير بموجب القانون ولأسباب ضرورية، منها حماية حقوق الآخرين وصون النظام العام، فيما أوجبت المادة "20" حظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.

إن حماية السلم الاجتماعي لا تعني منع المواطنين من مناقشة الأحداث الوطنية أو التعبير عن مواقفهم الشخصية والدينية بشأنها، وإنما تقتضي التمييز بين الاختلاف المشروع والتحريض المحظور قانونا. فالوحدة الوطنية لا تتحقق بإسكات الآراء المتباينة، بل بصون الحق في الاختلاف ومواجهة الخطاب الذي يحول التنوع الديني والفكري إلى أداة لافتعال العنف والكراهية.

مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ