أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الغارات الأردنية في سوريا.. الحقيقة أولاً والمصلحة الوطنية دائماً


مؤيد المجالي

الغارات الأردنية في سوريا.. الحقيقة أولاً والمصلحة الوطنية دائماً

مدار الساعة ـ

في القضايا التي تتصل بالأمن الوطني، والعلاقات بين الدول، وحياة المدنيين، تصبح الدقة في المعلومة ضرورة، ويغدو الصمت الرسمي مساحة تتسع فيها الأسئلة والتأويلات، خصوصاً حين تتداخل الأخبار المتداولة مع وقائع لم تتضح جميع تفاصيلها بعد.

وفي ضوء الأنباء المتداولة بشأن الغارات الجوية التي نفذها سلاح الجو الملكي الأردني داخل الأراضي السورية، وما أثير حول احتمال سقوط ضحايا مدنيين، والحديث عن تنفيذ العمليات دون تنسيق مسبق مع الجانب السوري، بالتزامن مع الأنباء المتعلقة بإغلاق معبر نصيب الحدودي، فإن الموقف يستدعي قراءة هادئة ومسؤولة، بعيداً عن التسرع في إصدار الأحكام أو الانجرار وراء الروايات غير المكتملة.

ليس من الحكمة أن نتعامل مع هذه الأنباء باعتبارها حقائق نهائية قبل التحقق منها، كما ليس من الحكمة تجاهل الأسئلة التي تثيرها، أو الاكتفاء بتداولها في الفضاء العام دون انتظار إجابات رسمية واضحة.

فالأردن، الذي يواجه تحديات أمنية متصلة بحدوده الشمالية وبنشاط الجماعات المسلحة وشبكات تهريب المخدرات والأسلحة، يمتلك مصلحة مشروعة في حماية أمنه الوطني ومجتمعه ومؤسساته. وهذه المصلحة تقتضي اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة الأخطار الحقيقية، ضمن الأطر القانونية والسياسية التي تحكم العلاقات بين الدول.

لكن حماية الأمن الوطني لا تتعارض مع الشفافية، كما أن ضرورة مواجهة التهديدات الأمنية لا تعفي المؤسسات المعنية من توضيح الوقائع عندما تثار تساؤلات جدية بشأن نتائج العمليات العسكرية أو تداعياتها.

ومن هنا، فإن السؤال المطروح ليس متعلقاً بحق الأردن في حماية أمنه فحسب، بل يتصل أيضاً بطبيعة الأهداف التي استُهدفت، ومدى دقة المعلومات التي استندت إليها العملية، وحقيقة ما أُثير بشأن سقوط ضحايا مدنيين، وما إذا كان هناك تنسيق مسبق مع السلطات السورية.

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُترك للتكهنات، ولا أن تتحول إلى مادة للصراع بين روايات متعارضة؛ فالمعلومات الدقيقة هي وحدها القادرة على وضع الأحداث في سياقها الصحيح، وتحديد المسؤوليات، وتجنب بناء المواقف على افتراضات قد يتبين لاحقاً عدم صحتها.

أما الحديث عن إغلاق معبر نصيب، فإن صحّت تفاصيله الرسمية، فإنه يضيف بُعداً آخر إلى المسألة، يتجاوز حدود العملية العسكرية ذاتها. فالمعابر الحدودية ليست مجرد نقاط عبور، بل تمثل شرايين اقتصادية وإنسانية، وتتصل مصالح إغلاقها أو فتحها بحركة المسافرين والتجارة، وبالعلاقات اليومية بين المجتمعات على جانبي الحدود.

ولذلك، فإن أي تطور يؤثر في حركة المعابر يستحق توضيحاً بشأن أسبابه ومدته وانعكاساته، ومدى ارتباطه المباشر بالغارات، حتى لا تُبنى استنتاجات سياسية أو شعبية على مجرد التزامن بين الأحداث.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التنسيق الأمني بين الأردن وسوريا، بوصفه مصلحة مشتركة تفرضها الجغرافيا والتحديات العابرة للحدود. فالتعاون بين الدولتين في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب يمكن أن يسهم في معالجة التهديدات بصورة أكثر فاعلية، ويحد من احتمالات سوء الفهم والتصعيد.

ولا يعني ذلك افتراض أن التنسيق كان غائباً أو أنه كان قائماً؛ فهذه مسألة ينبغي أن تحسمها المعلومات الرسمية، لا الاجتهادات. لكن من المؤكد أن وضوح آليات التواصل بين الجانبين، وتبادل المعلومات، ومعالجة الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية، أمور تخدم استقرار البلدين ومصالح شعبيهما.

وإذا ثبت سقوط ضحايا مدنيين، فإن الأمر يستوجب الوقوف على حقيقة ما جرى، والتحقق من ظروف الاستهداف، وتحديد المسؤوليات وفقاً للقانون، واتخاذ ما يلزم لمنع تكرار مثل هذه الوقائع. فالمدنيون يجب أن يبقوا بمنأى عن الأذى قدر الإمكان، وتظل حماية أرواحهم اعتباراً أساسياً في تقييم العمليات العسكرية.

إن المطالبة بتوضيح رسمي لا تعني التشكيك في مؤسسات الدولة، كما أن انتظار المعلومات لا يعني التسليم بكل ما يُنشر أو تداوله. بل إن الثقة بالمؤسسات تزداد حين تجد الأسئلة المشروعة إجابات واضحة، وحين تُعرض الوقائع للرأي العام بقدر ما تسمح به مقتضيات الأمن الوطني.

ومن هنا، فإن المطلوب من الحكومة الأردنية بيان يوضح ملابسات العملية وأهدافها، وحقيقة التنسيق مع الجانب السوري، وما يتوافر من معلومات بشأن الأنباء المتعلقة بالضحايا المدنيين، والموقف من إغلاق معبر نصيب وتداعياته المحتملة.

وفي المقابل، فإن المسؤولية تقتضي من الجميع التريث في تداول الأخبار غير الموثقة، وعدم تحويل المعلومات الأولية إلى أحكام نهائية، أو السماح للشائعات بأن تتحول إلى مصدر للتوتر بين الشعبين الأردني والسوري.

فالعلاقة بين الأردن وسوريا أكبر من أن تُختزل في حادثة عابرة، وأمن البلدين لا يتحقق بتبادل الاتهامات، بل بالتعاون المسؤول، والوضوح، واحترام المصالح المشتركة، ومعالجة الخلافات على أساس الوقائع.

في النهاية، لا يحتاج الأردن إلى الاختيار بين حماية أمنه واحترام الحقيقة؛ فالأمران متكاملان. ولا تنتقص من الدولة قوتها حين توضح للرأي العام ما تستطيع توضيحه، بل إن قدرتها على إدارة الأزمات بمسؤولية وشفافية تعزز مكانتها وثقة مواطنيها بها.

ننتظر بياناً رسمياً يضع الرأي العام أمام الحقيقة، بعيداً عن التهويل والتبرير المسبق. فالأمن الوطني مصلحة عليا، وحياة المدنيين مسؤولية إنسانية وقانونية، والعلاقات الأردنية السورية مصلحة مشتركة تستحق أن تُدار بالحكمة والوضوح.

مدار الساعة ـ