أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أشغِلوا الشباب بمستقبلهم ومشاريعهم… فالبطالة والفراغ مرتع خصب للتطرف


أ.د محمد الفرجات

أشغِلوا الشباب بمستقبلهم ومشاريعهم… فالبطالة والفراغ مرتع خصب للتطرف

مدار الساعة ـ
القرى الإنتاجية الذكية مناخيًا: استثمار في الإنسان، وحماية للمجتمع، وتعزيز للأمن الوطني

ليست كل معارك الدول على حدودها، وليست كل الأخطار التي تهدد أمنها قادمة من الخارج؛ فبعض المعارك تبدأ في عقل شاب فقد الأمل، وبعض الأخطار تتسلل إلى مجتمع من بوابة الإحباط والبطالة والشعور بانسداد الأفق، قبل أن تستغلها جهات متطرفة، أو عقول ظلامية، أو شبكات تجنيد تعرف جيدًا كيف تصطاد ضحاياها.

وفي ضوء الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة حمود في محافظة الكرك، وما أعادته إلى الواجهة من أسئلة حول الوقاية من التطرف وتجفيف منابعه، فإن واجبنا الوطني لا يقتصر على إدانة الجريمة وملاحقة مرتكبيها وإنزال العقوبة العادلة بهم، بل يمتد إلى التفكير العميق في كيفية حماية مجتمعنا من إنتاج بيئات قابلة للاختراق الفكري، وكيف نمنح شبابنا أسبابًا حقيقية للتمسك بالحياة والعمل والوطن والمستقبل.

وقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني، في اجتماعه بمجلس الأمن القومي يوم 24 تشرين الأول 2026، ضرورة مراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه ضمن خطة منهجية. وهذه مسؤولية وطنية تتطلب، إلى جانب الجاهزية الأمنية، عملًا اقتصاديًا واجتماعيًا وتعليميًا وتنمويًا يضع الإنسان في قلب الأولويات.

وهنا أطرح سؤالًا يستحق أن تتوقف أمامه الحكومة ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع: ماذا نفعل اليوم بشاب أردني يملك الطاقة والقدرة على التعلم والعمل والإنتاج، لكنه لا يجد فرصة، ولا يملك مشروعًا، ولا يرى أمامه طريقًا واضحًا لتحسين حياته؟

هل نتركه يستهلك سنوات عمره في الانتظار، ويتنقل بين طلب وظيفة لا تأتي، وأعباء معيشية تتزايد، وأحلام تتراجع؟ أم نعيد تصميم التنمية بحيث يجد في وطنه فرصة للعمل، ومساحة للمبادرة، وأملًا يمكن أن يتحول إلى واقع؟

إن الفراغ لا يصنع الإرهاب وحده، والبطالة لا تعني التطرف بالضرورة، فالغالبية الساحقة من الشباب العاطلين عن العمل مواطنون شرفاء يبحثون عن حياة كريمة. لكن اجتماع الإحباط مع العزلة وضعف الفرص والخطاب المتطرف قد يهيئ بيئة يستغلها من يريدون استقطاب الشباب وتوظيف معاناتهم في مشاريع هدامة.

ولهذا فإن المعالجة الذكية لا تبدأ باتهام الشباب، وإنما بتوفير الفرص لهم، ولا تنتهي بملاحقة من انحرفوا، وإنما تعمل أيضًا على تقليص المساحات التي يستطيع المتطرفون استغلالها.

أعطوا الشباب مشروعًا يعملون فيه، ودخلًا كريمًا يسعون إلى زيادته، ومهارة يطورونها، وهدفًا يستيقظون كل صباح من أجله؛ ولا تتركوا اليأس يؤدي هذه المهمة نيابة عنكم.

القرى الإنتاجية الذكية مناخيًا… من فكرة تنموية إلى مشروع وطني

من هذا المنطلق، أعود إلى مبادرتي التي طرحتها تحت عنوان «القرى الإنتاجية الذكية مناخيًا»، والتي أرى أنها تستحق أن تنتقل من دائرة الأفكار والمقترحات إلى برنامج وطني تجريبي قابل للتنفيذ والتوسع.

فالفكرة ليست إنشاء تجمعات سكنية جديدة فحسب، ولا توزيع مساعدات على أسر محتاجة، ولا إقامة مشروعات صغيرة متفرقة سرعان ما تتعثر عند أول اختبار اقتصادي؛ بل تقوم على إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والمكان والموارد والإنتاج، من خلال قرى ومجتمعات إنتاجية تستثمر الإمكانات المحلية، وتستخدم التكنولوجيا، وتراعي الظروف المناخية، وتوفر فرصًا للعمل والدخل والاستقرار.

إننا نتحدث عن نموذج تنموي يمكن أن يجمع بين الزراعة الملائمة للبيئة، والإنتاج الغذائي، والتصنيع المنزلي والريفي، والطاقة المتجددة، وإدارة المياه بكفاءة، والتسويق الإلكتروني، والخدمات الرقمية، والسياحة الريفية والبيئية حيثما توافرت مقوماتها.

وتُصمَّم الأنشطة الإنتاجية وفق طبيعة كل منطقة، ومواردها المائية، وتربتها، ومناخها، وقربها من الأسواق، ومهارات سكانها. فما يصلح في الأغوار ليس بالضرورة ما يصلح في البادية أو المرتفعات أو مناطق الجنوب، وما ينجح في قرية قد لا ينجح في أخرى دون دراسة جدوى حقيقية.

وهنا تكمن أهمية البعد الذكي مناخيًا؛ إذ لا يجوز أن نبني مشروعًا اقتصاديًا يستنزف المياه، أو يفاقم المخاطر المناخية، أو يحمّل الأسر ديونًا تفوق قدرتها. بل ينبغي أن تكون الاستدامة المائية والطاقة النظيفة وكفاءة استخدام الموارد والتكيف مع الجفاف وارتفاع درجات الحرارة جزءًا من التصميم الاقتصادي للمشروع، لا إضافات شكلية تأتي بعد التنفيذ.

أما البعد الإنتاجي، فيعني أن تكون الأسرة شريكًا في دورة اقتصادية متكاملة: من توفير المدخلات، إلى الإنتاج والتجهيز والتصنيع والتخزين والنقل والتسويق، وصولًا إلى البيع وتوليد الدخل.

والبعد الذكي يعني توظيف نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد والبيانات المناخية وأدوات الذكاء الاصطناعي في اختيار المواقع والأنشطة المناسبة، ومراقبة الموارد، وتحسين الإنتاج، والتنبؤ بالمخاطر، وربط المنتجين بالأسواق.

وبذلك لا نكون أمام مشروع مساعدات اجتماعية تقليدي، بل أمام بنية تنموية تُحوِّل الموارد المتاحة إلى قيمة اقتصادية، والمهارات إلى فرص عمل، والأفكار إلى مشروعات قابلة للنمو.

لماذا تُعد هذه المبادرة استثمارًا في الأمن الوطني؟

لأن الأمن الوطني أوسع من مفهومه العسكري والأمني المباشر. فالدولة القوية هي التي تحمي حدودها، وتحفظ أمن مواطنيها، وتبني اقتصادًا قادرًا على توفير الفرص، وتعزز ثقة الإنسان بمستقبله، وتقلل مواطن الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية.

وإذا كانت الأجهزة الأمنية تتولى رصد التهديدات وملاحقة التنظيمات والمتورطين في أعمال العنف، فإن السياسات التنموية تستطيع أن تسهم في معالجة بعض الظروف التي قد تستغلها جهات التجنيد، من خلال توفير العمل والانتماء والفرص والمشاركة المجتمعية.

ومن هنا، فإن القرى الإنتاجية الذكية مناخيًا يمكن أن تحقق مجموعة من العوائد المتداخلة:

أولًا: تشغيل الشباب في أماكنهم. بدلًا من دفعهم إلى الهجرة الداخلية نحو عمان والمدن الكبرى بحثًا عن فرصة، يمكن توفير مشروعات إنتاجية في مناطقهم، وفق ميزاتها النسبية، بما يخفف الضغط على المدن وكلف السكن والنقل والخدمات.

ثانيًا: تحويل الشباب من طالبي فرص إلى صانعي فرص. فليس كل شاب ينتظر وظيفة حكومية أو مقعدًا في شركة كبيرة. بعضهم يستطيع تأسيس مشروع زراعي أو غذائي أو تقني أو خدمي إذا توفرت له المعرفة والتمويل المناسب والتدريب والسوق.

ثالثًا: تعزيز الاستقرار الأسري والاجتماعي. حين يتوفر مصدر دخل منتظم، وتصبح لدى الأسرة قدرة أكبر على التخطيط لتعليم أبنائها وتأمين احتياجاتها، فإن ذلك يعزز قدرتها على مواجهة الضغوط المعيشية، دون الادعاء بأن الدخل وحده يمنع الانحراف أو التطرف.

رابعًا: تخفيف الضغط على المدن. إن أزمة عمان لا تتعلق بالازدحام وحده، بل ترتبط أيضًا بتركز الوظائف والخدمات والفرص فيها، وما ينتج عن ذلك من ارتفاع تكاليف السكن والتنقل والوقت. والتنمية الإنتاجية في المحافظات تساعد على توزيع النشاط الاقتصادي بصورة أكثر توازنًا.

خامسًا: تعزيز الأمن الغذائي والمائي. من خلال الإنتاج الملائم للبيئة، وترشيد المياه، وتقليل الفاقد، وتطوير سلاسل التوريد المحلية، يمكن لبعض هذه القرى أن تسهم في تقوية قدرة المجتمعات على مواجهة اضطرابات الأسواق وارتفاع كلف الاستيراد.

سادسًا: بناء علاقة مختلفة بين المواطن والدولة. حين يرى المواطن أن السياسات العامة توفر له فرصة حقيقية للمشاركة والإنتاج، لا مجرد وعود متكررة، تتعزز الثقة بالمؤسسات والشعور بأن له مكانًا في مشروع وطني أوسع من حدود مشكلته اليومية.

سابعًا: حماية البيئة ومواجهة تغير المناخ. إذ يمكن توجيه الإنتاج نحو الأنشطة الأقل استنزافًا للموارد، واستخدام الطاقة الشمسية، وتحسين إدارة النفايات، وتطوير أنماط زراعية ملائمة للمناخ، وفق دراسات علمية لكل موقع.

هذه ليست نتائج تتحقق بمجرد إطلاق اسم جذاب على المبادرة؛ بل أهداف يمكن بلوغها إذا أُحسن التخطيط والتمويل والتنفيذ والرقابة والتقييم.

كيف نحول المبادرة إلى واقع؟

أقترح أن تبدأ الحكومة ببرنامج تجريبي محدود ومدروس، بدلًا من الإعلان عن مشروع ضخم يصعب تمويله وإدارته منذ البداية.

تُختار مجموعة من المواقع في محافظات مختلفة، بعد إجراء دراسات جدوى اقتصادية ومائية وبيئية واجتماعية، وتحديد الأنشطة التي تمتلك فرصة حقيقية للاستمرار والتنافس في السوق.

ويُجرى مسح للأسر والشباب ومهاراتهم وموارد مناطقهم، ثم تُبنى لكل موقع خطة إنتاجية تحدد ما يمكن إنتاجه، ومن سيشتريه، وما كلفته، وما حاجته إلى المياه والطاقة والنقل والتخزين، وكيف يمكن تسويقه محليًا وخارجيًا.

ويُنشأ لكل قرية إطار تشغيلي واضح يربط التدريب بالتمويل والإنتاج والتسويق، مع إتاحة الإرشاد الفني والإداري، وإشراك الجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية والبلديات والتعاونيات بحسب طبيعة كل مشروع.

ولا يكفي أن نمنح شابًا تمويلًا ثم نتركه يواجه السوق وحده؛ فالتمويل دون دراسة، والتدريب دون تشغيل، والإنتاج دون تسويق، كلها حلقات ناقصة قد تحول المشروع الواعد إلى عبء مالي جديد.

لذلك ينبغي أن يُبنى التمويل على الجدوى والقدرة على السداد، وأن تُتاح أدوات مناسبة للمشروعات الصغيرة، بما فيها التمويل المتدرج والضمانات والشراكات والاستثمار التعاوني، مع حماية الأسر من المديونية غير المدروسة.

ويجب أن تكون هناك مؤشرات معلنة لقياس النجاح، منها عدد فرص العمل المستدامة، ونسبة استمرار المشروعات، ومتوسط الدخل المتحقق، وحجم المبيعات، وكفاءة استخدام المياه والطاقة، ومشاركة الشباب والنساء، ومدى استفادة المجتمعات المحلية.

وبعد تقييم التجربة وقياس نتائجها الفعلية، يمكن توسيعها تدريجيًا، ونقل النماذج الناجحة إلى مناطق أخرى، وتعديل ما لم يثبت جدواه.

إن المطلوب ليس إنشاء قرى على الورق، وإنما بناء اقتصاد محلي قادر على الحياة والاستمرار دون اعتماد دائم على الدعم الحكومي.

لا تتركوا معركة الوعي منفصلة عن معركة التنمية

في مواجهة التطرف، نحتاج إلى منظومة متكاملة تعمل على أكثر من مسار في وقت واحد.

نحتاج إلى أجهزة أمنية يقظة، ومؤسسات دينية وفكرية تعزز الاعتدال وتواجه خطاب الكراهية، ومدارس وجامعات تعلم التفكير النقدي وتفتح المجال أمام المبادرة، وإعلام مسؤول لا يضخم الشائعات ولا يمنح المتطرفين منابر مجانية، وأسر ومجتمعات محلية تعرف كيف تحتضن الشباب وتنتبه إلى التحولات الخطرة في سلوكهم.

ونحتاج كذلك إلى سياسات تشغيل وتنمية لا تكتفي بالأرقام العامة، بل تصل إلى الشاب في قريته وبلدته، وتساعده على تحويل مهارته إلى مهنة، وفكرته إلى مشروع، وطموحه إلى مصدر دخل.

ولا بد من التمييز بين الشاب الذي يعاني البطالة، والشاب الذي يعتنق فكرًا متطرفًا، والشخص الذي يتورط في التحريض أو التجنيد أو العنف. فهذه حالات مختلفة لا يجوز الخلط بينها، وإنما ينبغي التعامل مع كل منها بأدواتها المناسبة، وفق القانون والأدلة، مع حماية الشباب من الوصم الجماعي.

كما أن مسؤولية الوقاية لا تعني تحميل الحكومة وحدها كل شيء؛ فالقطاع الخاص مدعو إلى توسيع الاستثمار خارج المراكز التقليدية، والجامعات إلى تحويل المعرفة إلى مشاريع، والبلديات إلى تحديد الفرص المحلية، والمؤسسات التمويلية إلى تطوير أدوات مناسبة للمشروعات الصغيرة، والمجتمع المدني إلى المساهمة في التدريب والاحتضان والتوجيه.

إننا لا نواجه التطرف بتوفير الفرص بدلًا من تطبيق القانون، بل بتطبيق القانون وبناء الفرص معًا.

رسالة إلى الحكومة: اجعلوا التنمية جزءًا من استراتيجية الوقاية

إن المرحلة الراهنة تستدعي الانتقال من معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى استشراف المخاطر قبل أن تتفاقم، ومن الإنفاق المتفرق على مشروعات قصيرة الأثر إلى الاستثمار في برامج تنموية مترابطة يمكن قياس نتائجها.

وأرى أن مبادرة القرى الإنتاجية الذكية مناخيًا تستحق أن تُدرس على مستوى حكومي مشترك، يربط التنمية المحلية والتشغيل والزراعة والمياه والطاقة والاقتصاد الرقمي والبيئة، ويحدد الجهات المسؤولة عن التنفيذ والتمويل والرقابة.

كما يمكن ربطها ببرامج تدريب مهني للشباب، وحاضنات أعمال، ومشروعات أسرية صغيرة، وعقود شراء وتسويق مسبقة حيثما أمكن، بما يقلل المخاطر التجارية ويمنح المنتجين فرصة أوضح للاستمرار.

وأقترح أن تبدأ الحكومة بخطة تنفيذية محددة المدة، تتضمن مواقع تجريبية، وموازنات معلنة، وشركاء مسؤولين، وأهدافًا قابلة للقياس، وتقييمًا مستقلًا للنتائج. فالمبادرات التنموية لا تُقاس بجمال عناوينها، بل بما تحدثه من تغيير حقيقي في حياة الناس.

وهنا يمكن للجامعات الأردنية أن تؤدي دورًا أكبر من التعليم التقليدي، من خلال تقديم الدراسات الفنية والاقتصادية والمناخية، وتطوير الحلول التقنية، وتدريب الشباب، واحتضان مشروعاتهم، وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمعات المحلية.

كما يمكن استكشاف شراكات مع القطاع الخاص والجهات المانحة والمؤسسات التنموية، شريطة أن تكون المسؤولية الوطنية والجدوى الاقتصادية واستدامة المشروعات هي الأساس، لا مجرد توافر التمويل المؤقت.

الخلاصة: المستقبل الذي نبنيه اليوم هو جزء من أمننا غدًا

لقد علمتنا الأحداث الصعبة أن قوة الأردن لا تقوم على مؤسساته الأمنية والعسكرية وحدها، على أهميتها المحورية، بل تقوم أيضًا على وحدته الوطنية، وتماسك مجتمعه، وثقة مواطنيه بدولتهم، وقدرة اقتصاده على منح الناس أسبابًا واقعية للأمل.

ولا يجوز أن ننتظر حتى يقع الشاب في براثن التطرف لنبدأ البحث عن أسباب انحرافه، كما لا يجوز أن نفترض أن كل عاطل عن العمل مشروع متطرف. المطلوب سياسة وطنية متوازنة تحمي المجتمع من الجريمة، وتصون كرامة الإنسان، وتفتح أبواب الإنتاج أمام الشباب.

إن القرى الإنتاجية الذكية مناخيًا ليست حلًا سحريًا لكل مشكلات الأردن، لكنها يمكن أن تكون إحدى الأدوات العملية لبناء تنمية أكثر عدالة، وتخفيف التفاوت بين المناطق، وخلق فرص عمل محلية، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتقوية قدرة المجتمعات على مواجهة الضغوط الاقتصادية والمناخية.

وأنا أطرح هذه المبادرة انطلاقًا من قناعة بأن التنمية الحقيقية لا تبدأ من المباني والطرق وحدها، وإنما من الإنسان الذي يستطيع أن يعمل وينتج ويبتكر، ويشعر بأن له مستقبلًا في المكان الذي ينتمي إليه.

أشغِلوا الشباب بمستقبلهم ومشاريعهم، ولا تتركوهم أسرى الانتظار والإحباط. افتحوا أمامهم أبواب الإنتاج، وامنحوهم المعرفة والفرصة والتمويل المدروس والأسواق، واجعلوا من كل محافظة مساحة ممكنة للاستثمار والعمل والإبداع.

فالشاب الذي يجد في وطنه فرصة لبناء حياته، ويشارك في إنتاج غذائه، وتطوير قريته، وتحسين دخل أسرته، يصبح شريكًا في التنمية وصاحب مصلحة في استقرار مجتمعه.

أما الفراغ، إذا اجتمع مع اليأس وغياب الأفق، فقد يتحول إلى مساحة تستغلها الأفكار الظلامية لتسرق من الشباب أعمارهم، ومن الأسر أبناءها، ومن الوطن طاقاته.

الأمن يحمي الوطن من الخطر، والتنمية تحصّن المجتمع، والعدالة ترفع الثقة، والأمل يمنح الإنسان سببًا ليتمسك بالحياة والوطن.

ولذلك، فإن الاستثمار في الشباب ليس ترفًا اقتصاديًا ولا بندًا ثانويًا في الخطط الحكومية؛ إنه استثمار في مستقبل الأردن، وفي استقراره، وفي قدرته على مواجهة تحديات إقليمية واقتصادية وفكرية متشابكة.

فلنحوّل طاقات شبابنا إلى مشاريع، وموارد قرانا إلى إنتاج، ومعرفتنا إلى حلول، ومبادراتنا إلى برامج قابلة للتنفيذ.

فأفضل ما نفعله لحماية مستقبلنا هو أن نبنيه، وأفضل ما نقدمه لشبابنا هو مستقبل يستطيعون المشاركة في صنعه.

مدار الساعة ـ