أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الجرح أردني، والعزاء في كل بيت


أ.د. نورس شطناوي

الجرح أردني، والعزاء في كل بيت

مدار الساعة ـ

بأيّ قلبٍ يُطلَق الرصاص على أناسٍ اجتمعوا لوداع عزيز؟ وبأيّ انحطاطٍ يتحوّل مكان الصلاة إلى مشهدٍ للفجيعة؟ وكيف يحتمل وجدانٌ إنساني أن يضاف إلى ألم الوداع ألمٌ آخر، وأن يجد المفجوعون أنفسهم أمام فاجعةٍ تتّسع لكلّ هذا الحزن؟

ندين بأشدّ العبارات الجريمة البشعة التي وقعت في كنيسة حمود بالكرك. جريمةٌ تنتهك حرمة النفس وحرمة المكان، وتوجع كلّ أردنيّ يرى في أمن جاره وأهله جزءاً من أمن بيته. وأمام هذه الفاجعة، يقف الكلام عاجزاً عن مواساة أمّ، وعن مسح دمعة، وعن إعادة الطمأنينة إلى قلبٍ روّعه الرصاص في موضعٍ للصلاة.

أهلنا الذين أصابتهم الفاجعة هم منّا ونحن منهم. حزنهم في صدورنا، ودموع أمهاتهم على وجوهنا، وحقّهم في العدالة مطلبنا جميعاً. لكلّ من فقدناه حياةٌ تستحقّ أن تُعاش، ووجهٌ ينتظره عند الباب، وأحاديثُ لم تكتمل، ومكانٌ في البيت سيبقى غيابه موجعاً. ومن واجبنا أن نصون لهذه الأرواح كرامتها، ولهذه البيوت حرمة حزنها، وأن نقف إلى جانبها بما يليق بثقل المصاب.

جاءت كلمات جلالة الملك عبدالله الثاني تحمل مواساةً لأهل الفقد، وحزماً في مواجهة المعتدين. فقد قدّم جلالته تعازيه لذوي الشهداء، وتمنّى الشفاء للمصابين، وأكّد أنّ وحدة الأردنيين وصلابتهم ستُفشلان مساعي الغدر إلى تفريقهم، متوعّداً بمواجهة العمل الإرهابي بأشدّ العقوبات. واختصر جلالته حرمة الدم الأردني وصرامة الموقف بقوله: دم الأردني غال، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد.

تجتمع في هذا الموقف مسؤولية مواساة المفجوعين ومسؤولية حماية الوطن. فالأهل في حزنهم يحتاجون إلى السند، والناس في قلقهم يحتاجون إلى الطمأنينة، والمعتدون يجب أن يواجهوا عدالةً حاسمة. وتلك رسالةٌ يستشعرها كلّ بيتٍ أردني: دم أبنائه مصون، وأمنه مسؤولية الدولة، وكرامته تستوجب الوقوف في وجه كلّ من يستبيحها.

وحدتنا الوطنية قرابةُ حياةٍ ومصير؛ تُرى في الجار الذي يسند جاره، وفي الأكتاف التي تتقاسم حمل النعش، وفي البيوت التي تفتح أبوابها حين يضيق الحزن بأهله. نعرفها في تفاصيل أيامنا، في المدرسة والعمل والحيّ، وفي الوجوه التي نطمئنّ إليها، والأيدي التي نجدها إلى جانبنا ساعة الشدّة. هذه الحياة المشتركة صنعت في وجداننا معنى الأهل، وجعلت وجع البيت الواحد يمتدّ إلى البيوت كلّها.

وفي الكرك، كما في كلّ بقعةٍ من الأردن، يحمل الناس أسماءهم وذكرياتهم وصلاتهم بالأرض وببعضهم. يعرفون مَن يسكن آخر الطريق، ومَن غاب عن مجلسه، ومَن يحتاج إلى سؤالٍ أو سند. ومن هذه المعرفة الحميمة تنشأ مسؤوليةٌ تتجاوز عبارات المواساة إلى الوقوف الحقيقي مع المفجوعين؛ حضوراً، ورعايةً، ومتابعةً، ووفاءً يستمرّ بعد انحسار الخبر عن الشاشات.

وفي هذه الساعة، نحمي وحدتنا بموقفٍ واضح: إدانةٌ لا تبرير فيها، وعدالةٌ لا إفلات معها، ووعيٌ يقطع الطريق على الشائعات والتحريض والتعميم. تُحدَّد المسؤولية بالتحقيق، ويُحاسَب المجرمون بالقانون، وتبقى كرامة أهلنا وحرمة دمائهم فوق كلّ اعتبار.

وللكلمة في أوقات الألم مسؤوليةٌ مضاعفة. ما نكتبه وننشره قد يواسي قلباً، وقد يجرحه؛ وقد يحفظ تماسك الناس، وقد يثير بينهم خوفاً وشكّاً. لذلك، فإنّ احترام الحقيقة، والتثبّت من الأخبار، وصون خصوصية المصابين وأسر الضحايا، واجباتٌ تمليها علينا أخلاقنا وانتماؤنا. ويستحقّ أهل المصاب أن يجدوا في الفضاء العام رحمةً تليق بحزنهم، وفي خطابنا اتزاناً يحفظ كرامتهم.

إنّ حرمة دور العبادة من حرمة الوطن، وأمن مَن يقصدها جزءٌ من أمننا جميعاً. ومن حقّ كلّ إنسان أن يدخل مكان صلاته مطمئناً، وأن يعود إلى بيته آمناً. وصون هذا الحقّ يستدعي وقوفاً راسخاً خلف مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية لأداء واجبها، وتمسّكاً بسيادة القانون، ورفضاً لكلّ خطابٍ يهوّن من العنف أو يلتمس له عذراً.

سيبقى لأهل الفقد وجعهم حين تهدأ الكلمات، وستبقى للمصابين رحلةٌ يحتاجون فيها إلى العناية والسند. هنا تُختبَر قدرتنا على تحويل التضامن إلى التزام؛ أن نسأل، وأن نعين، وأن نحفظ للغائبين ذكراهم، ولمن بقي بعدهم حقّه في حياةٍ آمنةٍ كريمة.

رحم الله الضحايا، وشفى المصابين، وربط على قلوب المفجوعين.

الكرك وجعُنا جميعاً… والأردن بيتُنا جميعاً. وسنقف كتفاً إلى كتف، نحمي هذا البيت ونصون أهله. ففي كنيسة حمود، الجرح أردني، والعزاء في كلّ بيت.

مدار الساعة ـ