كل الشعارات العربية سقطت بشكل متدرج، وقد كنا نطالب على مدى 7 عقود بتحرير كل فلسطين التاريخية، وإذ بنا نتشاغل اليوم بتحرير المنطقة A وB من الضفة الغربية.
مساحة الضفة الغربية 21 % من فلسطين التاريخية، فيما مساحة المنطقة A حوالي 18 % من مساحة الضفة الغربية، ومساحة المنطقة B هي 22 % من الضفة الغربية، وهذا يعني أن مساحة المنطقتين A وB مجتمعتين حوالي 8.4 % من كل فلسطين.نحن هنا لا نتحدث عن انحسار الجغرافيا في الشعار والبرنامج السياسي، بل نتحدث قبل كل شيء عن شطب الديموغرافيا والهوية والذاكرة؛ لأن الجغرافيا من دون إنسان، هي مجرد مساحات أرض، وحتى قدسية الأرض ترتبط بالإنسان، ومن دون الإنسان تصبح المقدسات مجرد مبان أثرية، وتعميرها روحيا بحاجة إلى البشر.هل تم تجريعنا السم بالتقسيط، وتراجعت المطالبات بشكل متدرج وسط إقليم يتطاحن ليل نهار، وكل دولة في العالمين العربي والإسلامي تقول لك إن فلسطين ليست قضيتها، على اعتبار أن أغلب الدول العربية والإسلامية مشغولة بنشر الإسلام والتنمية والرفاه وترقية حقوق الإنسان، وتوزيع الموارد ومحاربة الفساد، فيما نحن نعرف أن الحال الخرب سببه عوامل داخلية في كل دولة، وربما نجت فلسطين من تحويلها إلى سبب لتبرير خراب هذا العالم الممتد، الذي لا تعرف لماذا هو حصرا بات بلا مستقبل، ولا قضية جمعية؟حتى حق العودة أعيد إنتاجه ولم يعد يتحدث عنه أحد، لا النظام الرسمي العربي، ولا الفعاليات الشعبية والسياسية. وللمفارقة، بتنا نتحدث عن ضرورة منع التهجير، وبدلا من عودة الفلسطينيين صرنا نتمنى ألا يأتي فلسطينيون جدد إلى دول العالمين العربي والإسلامي.. من حق العودة إلى حق منع التهجير.من باب الإنصاف، فإن مشروع تحرير فلسطين تعرض أيضا إلى عوامل ضاغطة، على مستوى العرب الذين تمت محاصرتهم بمصالحهم أو مخاوفهم، ودفعهم إلى الزاوية الأسهل؛ أي التخلي عن هذا الملف بشكل متدرج، وهي لعنة أصابت الفلسطينيين أيضا الذين رفعوا شعارات تحرير كل فلسطين، ثم وصلوا إلى المطالبة بالحماية الدولية، أو إزالة الحواجز في الضفة، أو حتى المطالبة بدخول القمح والدواء إلى أهل غزة، وسط انقسام مكلف، وتلاوم حول الحل إذا ما كان مقاومة مسلحة، ومن يخوضها، أو سلما وظيفيا لا يتفق عليه أحد.لقد كانت فلسطين ضحية عوامل عديدة، وربما نحتاج آلاف الصفحات لشرح الأسباب التي تعاني فلسطين من نتائجها اليوم، لكن الأهم أن الواقع المر يعبر عن تغيرات خطيرة، أرست مبدأ التفاوض على كل شيء، وقد كنا نطالب كما أسلفت بتحرير كل فلسطين، وإذ بنا نساوم اليوم على منطقتين في الضفة الغربية، وقد كنا أيضا نطالب بصون حرمة المسجد الأقصى، وكل أمنياتنا اليوم ألا يتم تخصيص يوم السبت للإسرائيليين حصرا، وكأننا وسط تفاوض خاسر، كلما خضناه عدنا إلى الوراء ألف عام، أو أكثر مما يعدون.هذا يثبت أن مفاهيم البراغماتية، والتفاوض، والتحلي بالصبر الإستراتيجي، وغيرها من مفاهيم، ساهمت بضياع فلسطين، وهي مفاهيم لا قيمة لها أمام ضياع الحقوق الأصلية، وقد ثبت أيضا أن التنازل لأول مرة يكون صعبا وقاسيا، لكنه يتحول إلى عقيدة سياسية لا يرافقها أي وجع أو ألم، أو لوم للضمير.ألا لعنة الله على الصبر الإستراتيجي، وما جلبه علينا.من تحرير فلسطين إلى A وB
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ