أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

إلى أين سيصل طوفان الأقصى؟


ماهر ابو طير

إلى أين سيصل طوفان الأقصى؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

هذه الحرب التي نراها بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ستؤدي إلى نتائج خطيرة جداً، تتجاوز حتى عودة الحرب بمعناها العسكري، وهناك أدلة كثيرة على كلفة الحرب على شعوب العالم في كل مكان.

فالاحتجاجات تجتاح فرنسا وألبانيا وبعض المناطق في إيطاليا. وإذا كان وراء كل احتجاجٍ أسباب متنوعة، فإن غلاء المعيشة والأوضاع الاقتصادية السيئة تعد محركاً أساسياً؛ وهذا الارتداد السياسي الاقتصادي وصل إلى بقية دول العالم، من الولايات المتحدة إلى أستراليا وكندا، وحتى الدول العربية والإسلامية.

كل ما نراه هو ارتداد لطوفان الأقصى، وحين تمت تسميته بالطوفان لم يكن أحد يعرف أن المشهد سوف يتغير في كل مكان؛ من نشوب الحروب، إلى الكلفة الاقتصادية، مروراً بالاحتجاجات الشعبية. وهذا يعني أن الطوفان الذي بدأ في قطاع غزة يوم السابع من أكتوبر عام 2023 لم يبقَ محدود الأثر، بل فتح بوابة كبرى للتغييرات قد تأخذنا إلى حرب عالمية ثالثة إذا بقي الوضع هكذا وتدهور أكثر خلال الشهور المقبلة.

وفي تحليل الاحتجاجات الشعبية في أوروبا، نقرأ أن الأسباب ترتبط بالاضطرابات الخطيرة في سلاسل إمداد الطاقة العالمية، لا سيما مع تصاعد الهجمات في مضيق هرمز وتأثر شحنات الغاز والنفط؛ مما دفع أسعار الوقود والغاز إلى مستويات قياسية، ما انعكس بدوره على تكاليف التدفئة والنقل والكهرباء داخل البيوت الأوروبية. كما انعكس ارتفاع أسعار الطاقة والوقود مباشرةً على تكاليف الإنتاج الزراعي مثل الأسمدة والشحن البحري، مما خلق موجة تضخم غذائي واسعة ضغطت بقوة على ميزانيات الأسر وحجّمت قدرتها الشرائية، فضلاً عن وصول التضخم لمستويات مرتفعة بسبب أزمة الطاقة، وتراجع سلوك الاستهلاك العام لدى المواطنين الأوروبيين، ما زاد من الركود الاقتصادي وضاعف وطأة الغلاء على هذه الشعوب.

والأمر لا يقف عند أوروبا، إذ حتى الولايات المتحدة تعاني من أسعار الوقود، وغلاء السلع، وانهيار أسعار العقارات، ورفع الفوائد البنكية التي لحقتها بنوك العالم، وأهلكت البشر وبيوتهم؛ ويكفي الإشارة كنموذج فقط إلى إغلاق آلاف المطاعم في الولايات المتحدة، وتراجع السلوك الاستهلاكي. وهذا أمر ينطبق بشكل مختلف على العرب الذين يواجهون تغيرات خطيرة على مستوى الإنفاق والمشاريع والموازنات الحكومية، وميزانيات الأفراد، وتفشي الاستدانة الرسمية والشعبية، وعدم وجود أفق لانفراجات.

إن طوفان الأقصى فتح خارطة التغيير الأكبر في العالم؛ لأن ما بعد السابع من أكتوبر أخذنا إلى سلسلة متدرجة من التغيرات على صعيد فلسطين، وسورية، ولبنان، والعراق، واليمن، وإيران، وما يرتبط بالنفط والملاحة والمضائق، وما قد نراه على صعيد اصطفافات مقبلة على الطريق حيث تتشكل معسكرات مختلفة، وما يتعلق أيضاً بالتخطيط لتركيا ومصر وباكستان، وما تتعرض له دول خليجية، واحتمال دخول أطراف أخرى في هذا المشهد على الصعيد العسكري لوقف التداعيات الاقتصادية عليها؛ بدءا من الصين، وصولاً إلى أوروبا التي تواجه ظرفاً استثنائياً مؤهلاً للتمدد مع فصل الشتاء.

لكن علينا أن نكون منطقيين أيضاً؛ لأن المشهد الدولي لم يتحرك بهذه الطريقة بسبب طوفان الأقصى منفرداً، إذ إن هناك أزمات سابقة، وأزمات كانت كامنة أو فاعلة، بدءاً من الصراع بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وحرب روسيا وأوكرانيا، وصولاً إلى أزمة الاقتصاد العالمي، والتراجعات الاقتصادية، وتفشي التضخم والدين العالمي، ويمكن تعداد عوامل إضافية. وهذا يعني أن حالة الاختناق في كل الأزمات دون مخارج وحلول، التقت أيضاً مع ملفات الشرق الأوسط، وكان طوفان الأقصى قدحة النار التي أشعلت الإقليم والعالم في المحصلة.

ما سبق ليس قراءة اقتصادية للوضع، لكنني أشير إلى الكلف التي بات العالم يواجهها، وهي كلف لا أحد قادر على وقفها حتى الآن، وربما ستزيد إذا ذهبت المنطقة إلى حرب أوسع خلال الأسابيع المقبلة، وهو أمر محتمل في ظل عالم لا تأبه قواه الفاعلة بالكلفة الإنسانية، وتواصل المخطط رغم إدراكها لكل هذه الكلف.

لو منح العالم الشعب الفلسطيني حقوقه، لما كان هناك طوفان في الأساس، ولو لم تكن هناك إسرائيل، لما كانت كل هذه المظالم. وحين يتم سفك دم شعب على مدى مائة عام، ولا يأبه به أحد، فكأننا نقول هنا إن لعنة الدم لا تقف عند حدود الضحايا؛ وهذا استنتاج لم يعد بحاجة لإثبات، وليس أدل على ذلك من أن الطوفان فتح العالم كله على واقع جديد، واستثار كل الأزمات المؤجلة في الإقليم والعالم.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ