أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

لا تكسروا جناحها ثم تسألونها لماذا لا تطير


تغريد جميل قرقودة

لا تكسروا جناحها ثم تسألونها لماذا لا تطير

مدار الساعة ـ

ليست كل الحواجز التي تقف في طريق المرأة جدرانا من إسمنت، فبعضها كلمات عابرة تستقر في أعماقها وتتحول مع الوقت إلى قيود تثقل خطاها وتسرق منها شجاعة المحاولة. «ما بتقدري»، «خليكي على جنب»، «هذا شغل رجال»… عبارات قد يقولها البعض باستخفاف، لكنها في نفوس كثير من النساء تترك أثرا أعمق مما يتخيل أصحابها، لأنها لا تنتقد قدرة المرأة فحسب، بل تحاول أن ترسم لها حدودا لا يجوز لها تجاوزها.

المؤلم أن الإحباط لا يأتي دائما من المجتمع وحده، فقد يأتي من امرأة أخرى نسيت أن الطريق الذي تسير فيه اليوم كان يحتاج بالأمس إلى من يمهد لها خطواته، وقد ينبع أحيانا من داخل المرأة نفسها، حين تتراكم التجارب المحبطة في ذاكرتها، فتبدأ بالتشكيك في قدراتها، وتخشى الفشل قبل أن تخوض التجربة، وتنسحب من أحلامها لا لأنها عاجزة، بل لأنها

صدقت طويلا أنها لن تستطيع.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله بالمرأة ليس أن نغلق بابا أمامها، بل أن نقنعها بأنها لا تستحق الوصول إليه. فحين تحرم من فرصة، يمكنها أن تبحث عن فرصة أخرى، أما حين تحرم من الثقة بنفسها، فإنها قد تتوقف عن البحث أصلا. ولهذا فإن الكلمات التي نطلقها ليست دائما مجرد أصوات عابرة، بل قد تكون بداية طريق أو نهاية حلم، وقد تصنع في داخل إنسان أملا يمتد سنوات، أو تزرع فيه خوفا يرافقه العمر كله.

إن دعم المرأة لا يعني مجاملتها أو منحها امتيازات لا تستحقها، ولا يعني أن الطريق يجب أن يخلو من التحديات أمامها، بل يعني أن تحصل على فرصة عادلة، وأن تقاس بكفاءتها وقدرتها، لا بالصورة النمطية التي رسمها المجتمع لدورها. فالنجاح لا يحمل جنسية ذكورية أو أنثوية، والإبداع لا يعترف بالفوارق التي يصنعها التفكير الضيق، والعمل الذي يحتاج إلى عقل وخبرة ومسؤولية لا ينبغي أن يصبح حكرا على جنس دون آخر.

وليس المطلوب أن نفتح للمرأة الأبواب فحسب، بل أن نتوقف عن الوقوف خلفها لحراستها من أحلامها. دعوها تجرب، وتتعلم، وتخطئ، وتنهض، وتثبت قدرتها بالفعل لا بالكلام. فليس من العدل أن نطالبها بالنجاح ثم نحرمها من أدواته، ولا أن ننتظر منها الشجاعة بينما نحيط خطواتها بالتخويف والتشكيك، ثم نلومها حين تتردد.

والأجمل من ذلك أن تدرك النساء أن نجاح إحداهن لا ينتقص من نجاح الأخرى، وأن المرأة التي تصل لا ينبغي أن تنظر إلى من خلفها باعتبارها منافسة، بل باعتبارها رفيقة طريق. فكم من امرأة تحتاج إلى كلمة صادقة من امرأة أخرى لتستعيد ثقتها بنفسها، وكم من حلم كان يمكن أن يرى النور لو مدت يدها إليها امرأة بدلا من أن تزيد شكوكها شكا، وخوفها خوفا.

إن المرأة القوية لا تولد قوية بالضرورة، بل قد تصنعها التجارب، وتمنحها الحياة صلابة، ويسندها أشخاص آمنوا بها حين ترددت، وشجعوها حين خافت، وذكروها بقدرتها حين نسيت نفسها. وقد تكون خلف كل امرأة ناجحة حكاية طويلة من الصبر، لكن من الجميل أيضا أن نتذكر أن خلف بعض النساء المحبطات أشخاصا كرروا أمامهن كلمة «مستحيل» حتى بدت لهن حقيقة لا تقبل النقاش.

وهنا يحضرني معنى يستحق أن نتوقف عنده: ليس المطلوب أن نربي بناتنا على ألا يخفن أبدا، بل أن نربي فيهن القدرة على التمييز بين خوف يحميهن من الخطر، وخوف يحرمهن من الحياة. فالخوف الطبيعي قد يكون ضرورة، أما الخوف من المحاولة لمجرد أن المجتمع لا يتوقع النجاح منهن، فهو قيد يجب أن يتعلمن كيف يتحررن منه.

وأستحضر في هذا السياق ما قالته رباني عن والدها، الذي ربى فيها ألا تخاف، وأن يكون الخوف عندها مما يستحق الخوف. في هذه الفكرة رسالة تربوية عميقة، فالتنشئة الحقيقية لا تصنع إنسانا متهورا لا يخشى العواقب، ولا إنسانا يستسلم لكل عقبة، بل تبني شخصية تعرف متى تتقدم، ومتى تتأنى، وكيف تواجه الحياة بثقة ووعي ومسؤولية.

إن المجتمعات التي تحبط نساءها لا تخسر امرأة واحدة فحسب، بل تخسر عقولا وطاقات وفرصا كان يمكن أن تسهم في تطورها. فالمرأة ليست نصف المجتمع من حيث العدد فقط، بل شريكة في بناء الأسرة، وصناعة الوعي، وتطوير المؤسسات، ودعم الاقتصاد، وصياغة مستقبل الأجيال. وحين نمنحها فرصة عادلة، فإننا لا نخدم المرأة وحدها، بل نوسع مساحة التقدم أمام المجتمع بأكمله.

لذلك، لنجعل كلماتنا جسورا لا حواجز، وأيدينا سندا لا قيودا، ولنستبدل عبارة «ما بتقدري» بعبارة «جربي وأنا معك»، وبدلا من أن نقول «هذا شغل رجال»، لنسأل: هل تملك الكفاءة والمعرفة والقدرة على إنجازه؟ وبدلا من أن نطلب منها البقاء في الظل، فلنمنحها المساحة التي تستحقها لتثبت حضورها.

لا تكسروا جناحها ثم تسألوها لماذا لا تطير، ولا تطفئوا نورها ثم تعاتبوها لأنها لا تضيء، ولا تغلقوا الطريق أمامها ثم تحاسبوها لأنها لم تصل. امنحوها فرصة عادلة، وكلمة مشجعة، وبيئة تحترم إنسانيتها وقدراتها، واتركوا للحياة أن تكشف ما تستطيع فعله.

فالمرأة لا تحتاج دائما إلى من يحملها نحو القمة، بقدر ما تحتاج إلى من يتوقف عن وضع الحجارة في طريقها. وقد لا نستطيع أن نضمن لكل امرأة النجاح، لكننا نستطيع أن نضمن ألا يكون إحباطنا هو السبب في حرمانها من المحاولة.

مدار الساعة ـ