ولاد البلد ليسوا بحاجة إلى تعريف، ولا ينتظرون شهادة انتماء، ولا يحتاجون إلى تصنيف أو توزيع جغرافي؛ فالبلد أكبر من الأسماء، وأعمق من أن تختصرها فئة أو جهة أو رواية واحدة.
البلد ليست جنسية تُحمل، ولا حسباً ونسباً يُتباهى بهما، ولا أصلاً يُتخذ امتيازاً على الآخرين؛ البلد انتماء تثبته المواقف، ووفاء تصدّقه الأفعال. ولاد البلد هم كل من يحملها في قلبه، ويفكر في مصلحتها، ويعمل بجد لخدمتها، ويصون أرضها، ويحفظ تاريخها، ويحمي حاضرها، ويؤتمن على مستقبلها. من خدمها بيديه فذاك شرف، ومن لم يستطع ولم يمتلك إلا قلباً وفيّاً، فذلك أضعف الإيمان.لسنا في معرض تقسيم الناس، ولا توزيع صكوك الوطنية، ولا ننصّب أنفسنا حراساً على ضمائر وأصول الآخرين. فالأوطان لا تُصان بإقصاء أبنائها، ولا تُبنى بتأجيج الخلافات، وإنما يحميها الوعي والعدل والعمل والإخلاص، حين تتقدم مصلحتها على الحسابات الضيقة.ونحن لا ننكر على أحد حقه في الاعتزاز بما بناه الأجداد والآباء من أمجاد وتضحيات؛ فهذا إرث يستحق التقدير. لكن السؤال الذي لا بد منه: ماذا قدمنا نحن؟ فليس من العدل أن نتكئ على أمجاد السابقين، ثم نتخذها وسيلة للتعالي على الآخرين. عظمة الأجداد لا تمنح الأحفاد حصانة، ومجد الماضي لا يعفي من مسؤولية الحاضر.أما من يدس السم في الداخل بين أبناء البلد، أو ينثره من الخارج مدعياً الحرص على مصلحتها، فلن نقبله ولن نتغنى به، لكننا لن نخلط بين الادعاء والفعل، ولا بين الشعارات والحقائق. فمن يضرب خاصرة الوطن، ويسعى إلى إضعافه أو تمزيق نسيجه، لا يشفع له نسب ولا تاريخ ولا ادعاء بالدين؛ فلو كان جد جده قد وضع مدماكاً في بنائه، فذاك جد عظيم، لكن عظمة الجد لا تعوّض ضيق أفق عقل وفعل وحقد الحفيد.ولنفرّق بين من يكشف خطأً حقيقياً، ويثبت دعواه بالدليل، ويسعى إلى الإصلاح، وبين من يختلق الشائعات، وينشر الفتنة، ويضرب الثقة بين الناس. فالنقد المسؤول قد يحمي البلد من الخلل، أما التضليل المتعمد فيفتح أبواب الخطر. والعبرة بالأفعال والأدلة، لا بالأنساب ولا بالادعاءات.ولاد البلد هم من يصونونها، لا من يحتكرون اسمها مهما كان اللقب في آخر الاسم؛ ومن يخدمونها، لا من يتخذون تاريخها ستارا لمصالحهم فيبيعون ويشترون ويتملكون. فالبلد ليست مسؤولة عن إثبات وطنيتنا، بل نحن المسؤولون أمامها عن صدق انتمائنا.فإذا كان أجدادنا أو آباؤنا مهما كانت أسمائهم قد بنوا البلد بعرقهم وتضحياتهم، فماذا سنبني نحن، وماذا سنترك للأجيال القادمة: وطناً نعتز بتاريخه ونحمي مستقبله، أم أمجاداً نتغنى بها فيما تهدم أفعالنا ما بناه السابقون؟