أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الكباريتي وصمت الكبار: حين لا يحتاج رجل الدولة إلى استحثاثه على الكلام


الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وتقييم الأداء المؤسسي

الكباريتي وصمت الكبار: حين لا يحتاج رجل الدولة إلى استحثاثه على الكلام

الدكتور  جاسر عبدالرزاق النسور
الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وتقييم الأداء المؤسسي
مدار الساعة ـ

في مشهد سياسي أردني يتوق إلى متنفس حقيقي وسط أزمات متلاحقة، لم يكن السجال الذي أشعله القيادي المؤسس لحزب المحافظين، الدكتور طلال الشرفات، في رسالته الشهيرة "قل شيئاً يا أبا عون" مجرد عتاب عابر لرئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم الكباريتي، بل تحول إلى "زلزال" سياسي وإعلامي، سرعان ما دخل على خطه الوزير والبرلماني الأسبق بسام حدادين بردّ لاذع. هذا السجال الثنائي لم يكن مجرد خلاف شخصي، بل كشف عن أزمة أعمق تتعلق بجدوى الخطاب السياسي في الأردن: هل نحن بحاجة إلى فصاحة تلامس الوجدان وتحرّض على الكلام، أم إلى أفعال صامتة تصنع التاريخ؟ ومن موقعي ككاتب ومحلل، أجد نفسي أميل بوضوح إلى وجهة نظر ثالثة ترفض هذا الاستقطاب الحاد، وتدعو إلى احترام حق رجل الدولة في اختيار موقفه وتوقيت حديثه.

عندما بدأ السجال برسالة للدكتور الشرفات، حملت عنواناً مباشراً "الكباريتي قل شيئاً يا أبا عون". في تلك الرسالة، لم يخفِ الشرفات قلقه على ما آلت إليه الأوضاع، مطالباً الكباريتي بكسر صمته "لأن أريحية الأمس تذبح صباح مساء على أيدي شراذم التيه والوهن والبغاة". وقد لجأ الشرفات إلى لغة أدبية عالية، مطالباً "أبا عون" بالتمتمة "لعل بقايا العجائز وفتاة الحصادين والرعاة حول الحمى يفككون شيفرة الصدمة من أولئك الجاثمين على صدورنا من رجال الصدفة وتجار الوحدة والنفاق والدجل" هذه اللغة"، رغم ما تحمله من وجع وطني صادق في نظر مؤيديها، إلا أنها وقعت في فخ "الإنشائية" حسب منتقديها، حيث بدت وكأنها قصيدة نثر سياسية أكثر منها دعوة عملية لإنقاذ وطن.

"في المقابل، لم يتقبل بسام حدادين هذا النمط من الخطاب، فتصدّى له بقراءة نقدية صريحة، واصفاً رسالة الشرفات بـ'الكلام الإنشائي واستعراض المهارات اللغوية'، ومؤكداً أن 'النص بصراحة يرطن ولا يقول شيئاً'." لم يكتفِ حدادين بذلك، بل فكك دوافع "الصمت" الذي يعتصم به الكباريتي، معتبراً إياه "شخصية وطنية استثنائية لم تأخذ مكانتها". وكشف حدادين عن تعرض الكباريتي لـ"مضايقات خشنة" يعرفها المقربون، مستدلاً على صلابة "أبا عون" برفضه القاطع لشطب فقرة رقابية حساسة من التقرير المالي للجنة المالية لمجلس الأعيان، رغم التدخلات العليا. وهنا يبرز التناقض: بينما يطالب الشرفات الكباريتي بالكلام، يرى حدادين أن صمت الكباريتي هو أبلغ رد على "الرطن" السياسي، وأن تاريخه الحافل بالمواقف الصلبة هو ما يمنحه الشرعية، وليس "التمتمة" التي طالب بها الشرفات.

فالكباريتي ليس بحاجة إلى من يستحثه على الكلام، أحترم الدكتور طلال الشرفات وأقدّر غيرته على الوطن، كما أحترم الدكتور بسام حدادين وما طرحه من دفاع مستميت عن تاريخ "أبا عون"؛ لكنني أميل إلى وجهة النظر التي تدعو إلى احترام حق الكباريتي في اختيار موقفه وتوقيت حديثه، بعيداً عن مطالبته بالكلام وكأنه غائب عن المشهد أو لا يدرك ما يجري حوله، فالكباريتي ليس شخصية عابرة؛ بل رجل دولة تولّى رئاسة الحكومة، وعمل في مواقع متعددة، وامتلك تجربة سياسية واقتصادية وإدارية طويلة ومن غير المنصف أن يُفهم صمته بالضرورة على أنه غياب عن الوعي بما يجري، أو تخلٍّ عن المسؤولية الوطنية فمن حقنا أن نختلف في تقييم مواقفه، لكن ليس من العدل أن نربط حضوره الوطني بظهوره الإعلامي، أو أن نجعل صمته موضع تساؤل عن مدى اهتمامه بقضايا الوطن.

وعندما نتحدث عن الكباريتي وتجربته، لا بد أن نضع الأمور في سياقها التاريخي. فالأردن لم يكن بمنأى عن الأزمات التي عصفت بالمنطقة خلال العقدين الماضيين، بل واجه ما يمكن أن نسميه "الجحيم العربي"، بما شهده الإقليم من حروب وصراعات واضطرابات سياسية وأمنية تركت آثارها على استقرار الدول واقتصاداتها. ثم جاءت جائحة كورونا لتفرض أعباء استثنائية، ولم تكد الاقتصادات تبدأ بالتعافي حتى اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، ثم جاءت حرب غزة لتضيف مزيداً من الضغوط الإقليمية والاقتصادية. هذه الظروف ليست تفاصيل هامشية يمكن تجاوزها عند تقييم أداء الحكومات، بل معطيات أساسية ينبغي أخذها في الحسبان عند قراءة القرارات الاقتصادية والسياسية التي اتُّخذت في كل مرحلة.

ومن هنا، فإن مقارنة أداء رئيس حكومة برئيس آخر، أو استدعاء تجربة مسؤول سابق للحكم على المرحلة الحالية، تتطلب قدراً من الموضوعية والإنصاف. فالاستفادة من خبرات رجالات الدولة السابقين أمر مهم وضروري، لكن ذلك لا يعني تحميلهم مسؤولية التعليق على كل حدث، أو تصويرهم وكأنهم يمتلكون وحدهم الإجابات عن أزمات الوطن. وإذا كانت لدى أي شخصية سياسية سابقة رؤية أو مقترحات يمكن أن تسهم في معالجة التحديات، فإن أبواب الحوار الجاد والنقاش المسؤول ينبغي أن تبقى مفتوحة، بعيداً عن لغة الاستحثاث والعتب التي قد لا تكون الطريق الأفضل للاستفادة من الخبرات الوطنية.

فالأوطان لا تُبنى باستنطاق الرجال في المحصلة، السجال بين الشرفات وحدادين ليس مجرد خلاف شخصي، بل انعكاس لأزمة أعمق تعيشها النخبة السياسية الأردنية: أزمة "الرطن" مقابل "الفعل". فحدادين يرى أن "الإنشائية" والزخرفة اللغوية هي استعراض فارغ، بينما يرى الشرفات أن الصمت في وجه "البغاة" هو خيانة للوطن. أما أنا، فأرى أن الأوطان لا تُبنى باستنطاق الرجال، ولا تستمد قوتها من التصريحات وحدها، بل بالعمل والوعي والمسؤولية وتكامل الأدوار. الأردن بخير برجاله ومؤسساته وقيادته وشعبه، وليس متوقفاً على أن يتحدث هذا أو يصمت ذاك. إن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، ما دام الحوار قائماً على الاحترام والموضوعية والحرص الصادق على مصلحة الأردن.

حمى الله الأردن، وأدام على وطننا أمنه واستقراره، وحفظ قيادته الهاشمية، ليبقى الأردن كما عهدناه ثابتا على مواقفه، عزيزا بأهله، شامخا بتاريخه، وماضيا بثقة نحو المستقبل.

مدار الساعة ـ