أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أُمّة في مرآة التقليد


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

أُمّة في مرآة التقليد

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

يقول أحدهم: "هذه الصناعة مقلَّدة"، وكأن العبارة لا تخص صناعة بعينها، بل تلخّص حالًا أوسع نعيشها في أكثر من مجال. فالتقليد لم يعد مقتصرًا على استيراد سلعة أو نقل فكرة، وإنما امتد إلى تفاصيل كثيرة من حياتنا، حتى بات من الصعب أحيانًا أن نميّز ما ننتجه بأنفسنا مما نأخذه عن الآخرين.

تأمّل ما يجري حولنا؛ في التعليم والإعلام والفنون، وفي مسابقات الغناء والطرب والرقص، وحتى في برامج الطبخ. تتشابه الصيغ، وتتكرر الأفكار، وتنتقل البرامج من مكان إلى آخر مع تعديلات محدودة، ثم نقدّمها باعتبارها إنجازًا جديدًا. وقد يصل الأمر إلى أن نحتفي بنجاح نسخة عربية من تجربة أجنبية أكثر مما نسأل عن قدرتنا على ابتكار تجربة تحمل شيئًا من خصوصيتنا.

وليس في الاستفادة من تجارب الآخرين ما يدعو إلى الاعتراض. فالحضارات لم تتقدم بمعزل عن بعضها، والمعرفة انتقلت بين الشعوب عبر قرون طويلة، وأخذت كل أمة من غيرها ثم أضافت وطوّرت وغيّرت. المشكلة ليست في أن نتعلّم، بل في أن نقف عند حدود ما نتعلّمه، وأن نكتفي بإعادة إنتاجه من غير أن تكون لنا مساهمة واضحة فيه. عندئذٍ يتحول الاقتباس إلى تبعية، والانفتاح إلى ذوبان، وتصبح علاقتنا بالآخر قائمة على استهلاك ما يقدّمه بدل المشاركة في إنتاجه.

ولعل ما يستحق التأمل أن هذا الميل إلى التقليد يترافق أحيانًا مع اعتزاز كبير بالذات، كأننا نريد أن نجمع بين الاكتفاء بما يصنعه الآخرون والإصرار على أننا أصحاب تجربة متفوقة. نبحث عن النموذج الجاهز، ونغيّر اسمه أو لغته أو بعض تفاصيله، ثم نختلف في وصفه: أهو تقليد أم تطوير أم إبداع؟ لكن السؤال الأهم يظل قائمًا: أين الإضافة التي تحمل بصمتنا؟

وفي خضم ذلك، يكثر حديثنا عن الماضي. نستدعي أسماء العلماء والفلاسفة والشعراء، ونستعيد ما حققته الحضارة العربية الإسلامية في مراحل ازدهارها، ونردّد عبارات من قبيل: "كنّا وكانوا". ولا شك أن لهذا الماضي قيمته ومكانته، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاعتزاز به إلى وسيلة لتعويض ما ينقص حاضرنا، وحين نتصور أن أمجاد الأسلاف تكفي وحدها لإثبات قدرتنا اليوم.

كان لأجدادنا علمهم وأدبهم وفلسفتهم، وقد تركوا آثارًا تستحق الدراسة والتقدير. غير أن قيمتهم لا تكمن في أننا ننتمي إليهم فحسب، بل في أنهم أنتجوا معرفة وأسهموا في تطور الفكر والعلوم والفنون. لم يصنعوا مكانتهم بتكرار إنجازات من سبقهم، وإنما بعملهم واجتهادهم وقدرتهم على الإضافة. وهذا ما يجعل السؤال عن حاضرنا أكثر إلحاحًا: ماذا أنجزنا نحن؟ وما الذي يمكن أن نقدّمه للعالم غير استعادة ما أنجزه غيرنا أو التذكير بما أنجزه أسلافنا؟

مدار الساعة ـ