الثوابت الأردنية التربوية والتعليمية ليست شعارات تُرفع في المناسبات، ولا عبارات تُزين بها البيانات الرسمية, إنها نصوص قانونية صريحة، وردت في قانون التربية والتعليم الأردني، وتحديدًا في المادة الثالثة التي حصرت مصادر الفلسفة التربوية في الدستور الأردني، والحضارة العربية الإسلامية، ومبادئ الثورة العربية الكبرى، والتجربة الوطنية الأردنية.
هذه المصادر ليست خيارات متساوية بل هي أسس ثابتة، لا يجوز الالتفاف عليها ولا تجاوزها ولا تحريفها، لأنها تعبير عن الهوية المركزية للدولة الأردنية.فكيف لنا أن نفهم ما جرى في مدرسة ساكب الثانوية للبنات في جرش، حين أطلقت مبادرة "كاللؤلؤ المكنون" التي تحثّ الطالبات على ارتداء الزي الرسمي للمدارس الحكومية "المريول" بطريقة شرعية؟! شاركت نحو أربعين طالبة، ونُشرت صورهن على حسابات المدرسة في مواقع التواصل الاجتماعي بموافقة اولياء امورهن وارادتهن , لاقت المبادرة ترحيبًا واسعًا من أولياء الأمور والمجتمع المحلي، بل وصل التفاعل إلى المستوى السياسي، إذ قام نواب بإعادة نشر صور المبادرة. لكن سرعان ما تبين أن وزارة التربية هي من طلبت حذف الصور، فانفجر الجدل. وزارة التربية والتعليم أكدت أن هذه ليست المرة الأولى التي يطلب فيها من مدرسة حذف صور لطلبة وطالبات، رافضة الربط بين طلب الحذف ومبادرة الحث على ارتداء الزي الشرعي، وقالت إن الأسباب إجرائية بحتة: عدم الحصول على الموافقات المسبقة من مديرية التربية، وعدم التنسيق مع قسم الإعلام المختص، وعدم الحصول على موافقات أولياء الأمور قبل نشر صور الطالبات.المشكلة ليست في المبادرة, المبادرة في جوهرها متوافقة مع الثوابت. فهي تدعو إلى الاحتشام، والالتزام بالزي الشرعي، وهذا ما ينص عليه قانون التربية والتعليم في الأسس الفكرية للفلسفة التربوية : الإيمان بالله تعالى، والإسلام نظام فكري سلوكي يحترم الإنسان ويعلي من مكانة العقل ويحض على العلم والعمل والخلق، والإسلام نظام قيمي متكامل يوفر القيم والمبادئ الصالحة التي تشكل ضمير الفرد والجماعة، والعلاقة بين الإسلام والعروبة علاقة عضوية ,فالمبادرة بحسب ظاهرها ليست خارجة عن هذه الأسس، بل هي تعبير عملي عنها.المشكلة في الإجراء , الإجراء هو الذي حوّل المبادرة من تعبير عن الهوية المركزية إلى موضوع جدل وخلاف , والإجراء بحسب الرواية الرسمية، لم يكن متعلقًا بالمضمون، بل بالشكليات : موافقات مسبقة، تنسيق إعلامي، موافقات أولياء أمور. هذه كلها أمور إجرائية لا فلسفية , لكن لأنها غير مشرّعة بوضوح، ولا منظمة بقوانين وأنظمة صريحة، أصبحت عرضة للتفسير والاجتهاد والمزاجية للفرد "المسؤول" , وأصبح كل طرف يفسّرها وفق هواه: المدرسة رأت المبادرة متوافقة مع القيم، والمديرية رأت فيها مخالفة إجرائية، والجمهور رأى في الحذف تراجعًا عن القيم.وهنا يتجلى جوهر الإشكال الذي حذّرنا منه في الجزء الأول من هذا المقال: فالفلسفة التربوية ثابتة لكن السياسات التربوية متغيّرة , والثابت لا يُقوَّض باسم المتغيّر. لكن ما حدث أن الثابت وهو المضمون القيمي للمبادرة تم تقويضه باسم المتغيّر وهو الإجراء الإداري , هذه هي الكارثة. فإذا كان المضمون متوافقًا مع الفلسفة التربوية، فلماذا يُحذف؟! , ولماذا يُطلب من المدرسة شطب الصور؟! , ولماذا يُترك الأمر للاجتهادات الفردية بدلًا من أن يُحسم بنص قانوني واضح؟!والأخطر من ذلك أن هذا الإجراء حتى لو كان إجرائيًا بحتًا فإنه أرسل رسالة غير مباشرة إلى المجتمع مفادها أن المبادرة التي تحث على الزي الشرعي والتي لاقت ترحيبًا شعبيًا واسعًا يمكن أن تُحذف وتُشطب. هذا يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي الثابت الذي يمجد القيم الإسلامية والوطنية والممارسة الإدارية المتغيّرة التي قد تبدو متحفظة على المبادرات الثقافية النابعة من صلب ثقافة المجتمع الاردني , ويجعل كثيرين يشعرون أن الهوية المركزية تُطمس أو تُقيَّد لصالح اعتبارات إدارية أو سياساتية أخرى.هذا الشعور ليس وهمًا , فهو نابع من تجارب متكررة ومن غياب سياسات مكتوبة تحمي المبادرات المتوافقة مع الفلسفة التربوية. فلو كانت هناك سياسة واضحة ومشرّعة حول نشر صور الطلبة، لما احتجنا إلى جدل و ولو كانت هناك آلية واضحة للتنسيق بين المدرسة والمديرية لما وقعنا في هذا الالتباس. ولو كانت هناك قوانين وأنظمة تحمي المبادرات المتوافقة مع الثوابت لما تُركت المبادرة عرضة للحذف , لكن لأن السياسات غير مشرّعة أصبح كل قرار عرضة للتفسير والاجتهاد الفردي لــ"المسؤول " وأصبحت الهوية المركزية نفسها عرضة للتشكيك.والناظر إلى ما جرى في مدرسة ساكب يدرك أن المشكلة ليست في مبادرة "كاللؤلؤ المكنون" وحدها بل في المنظومة التي تتعامل مع هذه المبادرات: منظومة تفتقر إلى سياسات مشرّعة وتترك الثوابت رهينة الإجراءات، وتجعل الهوية المركزية عرضة للطمس باسم التنظيم , وهذا ما حذّرنا منه في الجزء الأول من هذا المقال ، وهذا ما نراه اليوم بأم أعيننا.إن حادثة "كاللؤلؤ المكنون" ليست مجرد خلاف على صور، بل هي نموذج مصغّر لما يحدث عندما تغيب السياسات المشرّعة وتتقدم الاجتهادات الفردية للمسؤول ، وتتصارع الهويات الفرعية على تفسير الهوية المركزية. النتيجة شعور عام بأن الهوية المركزية تُطمس، وثقة متآكلة في اتساق المؤسسة التربوية، وجدل متجدد في الشارع الأردني لا حول المبادرة نفسها، بل حول من يحق له تفسير الهوية المركزية للدولة الاردنية.المطلوب ليس الدفاع عن مبادرة بعينها ولا مهاجمة وزارة بعينها, المطلوب هو سياسات تعليمية مشرّعة بقوانين وأنظمة، لا متروكة للاجتهاد الشخصي الفردي للمسؤول. وضوح في آلية نشر صور الطلبة في الاردن للمجارس الحكومية والدولية والقطاع الخاص على حد سواء ، يحمي الخصوصية ويحفظ الهوية. وتنسيق واضح بين المدارس بكافة تصنيفاتها داخل الاردن والمديريات، لا أن تترك المبادرة عرضة للتفسيرات المتضاربة , كما أن الفصل بين الثابت والمتغيّر هو جوهر المطلوب، فلا يُقوَّض الثابت باسم الإجراء , وحماية الهوية المركزية من التآكل لا باسم الانفتاح، ولا باسم الإجراءات.إن الثوابت الأردنية التربوية والتعليمية ليست ترفًا فكريًا، ولا نصوصًا جامدة , إنها الهوية المركزية للدولة الأردنية. وإذا كانت الفلسفة التربوية ثابتة، فإن السياسات التي تحميها يجب أن تكون ثابتة أيضًا , وإلا فسنظل ندور في حلقة مفرغة : مبادرة تُطلق، وصور تُحذف، وجدل يتجدد، وهويتنا المركزية كاللؤلؤ المكنون … موجودة لكن لا يراها أحد.الثوابت الأردنية التربوية والتعليمية في زمن المتغيرات والهويات الفرعية (2)
مدار الساعة ـ
"كاللؤلؤ المكنون" … حين تُطمس الهوية المركزية باسم الإجراءات