أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

نظام الخبرة القضائية الجديد.. قيمة مضافة لمنظومة العدالة أم خطوة تنتظر اختبار التطبيق؟


مؤيد المجالي

نظام الخبرة القضائية الجديد.. قيمة مضافة لمنظومة العدالة أم خطوة تنتظر اختبار التطبيق؟

مدار الساعة ـ

لا تقتصر العدالة على تطبيق النصوص القانونية والفصل في الخصومات، بل تتطلب أيضاً أن تستند الأحكام القضائية، في المسائل التي تستدعي معرفة فنية أو علمية متخصصة، إلى خبرة دقيقة ومحايدة تساعد المحكمة على تكوين قناعتها والوصول إلى حكم عادل.

من هنا، تبرز أهمية نظام الخبرة لدى المحاكم النظامية رقم (48) لسنة 2026، الذي جاء لينظم شؤون الخبرة القضائية في إطار أكثر تفصيلاً، من خلال وضع قواعد لاعتماد الخبراء وتسجيلهم، وتحديد آليات تسميتهم، وتقييم أدائهم، ومساءلتهم مهنياً، وتنظيم أجورهم.

لكن السؤال الذي يستحق النقاش ليس ما إذا كان تنظيم الخبرة أمراً ضرورياً، فذلك أمر لا خلاف على أهميته، وإنما ما إذا كان هذا النظام سيشكل قيمة مضافة حقيقية للعدالة الأردنية، وينعكس بصورة ملموسة على حقوق المتقاضين وجودة الأحكام وسرعة الفصل في الدعاوى.

من الخبرة الفردية إلى التنظيم المؤسسي:

يمثل إنشاء سجل إلكتروني للخبراء، يتضمن بياناتهم ومؤهلاتهم المهنية والعلمية وأنواع الخبرة المعتمدة لهم، إحدى الخطوات المهمة التي تضمنها النظام. فإتاحة هذه المعلومات للكافة تعزز الشفافية، وتساعد على معرفة التخصصات المتاحة، وتوفر أساساً أكثر وضوحاً لتنظيم الاستعانة بالخبراء أمام المحاكم.

كما أن اعتماد الخبراء وفق شروط محددة، وإخضاع بعض أنواع الخبرة للامتحانات أو المقابلات، من شأنه أن يعزز الاهتمام بالكفاءة المهنية والتأهيل المتخصص، بدلاً من الاكتفاء بالخبرة العملية أو المؤهلات العامة دون التحقق من مدى ملاءمتها للمهمة القضائية.

وتبرز أهمية ذلك في ظل تنوع القضايا التي تعرض على المحاكم، وما قد تتطلبه من خبرات محاسبية وهندسية وطبية وتقنية وغيرها من المجالات التي لا يستطيع القاضي، بحكم طبيعة وظيفته، أن يكون متخصصاً في جميع تفاصيلها الفنية.

ومع ذلك، فإن وجود سجل للخبراء لا يكفي وحده لضمان جودة الخبرة؛ إذ تبقى العبرة بمدى دقة معايير الاعتماد، وفاعلية التحقق من الكفاءة، واستمرار تطوير المهارات المهنية.

اختيار الخبير وحياده:

من المسائل المهمة التي عالجها النظام تنظيم تسمية الخبراء بحسب الدور من بين المسجلين في الجدول المعتمد، ضمن دائرة اختصاص محكمة الاستئناف، مع السماح بالاستعانة بخبير من دائرة أخرى في حالات مبررة.

وتكتسب هذه القاعدة أهميتها من ارتباطها بمبدأ تكافؤ الفرص في توزيع أعمال الخبرة، وتعزيز الثقة في آلية الاختيار، والحد من الاعتماد المتكرر على أسماء بعينها دون مبررات موضوعية.

وفي المقابل، فإن تطبيق هذه القاعدة ينبغي ألا يتحول إلى إجراء آلي يتجاهل طبيعة المسألة الفنية المطروحة؛ فالمطلوب هو الجمع بين عدالة توزيع المهام وكفاءة الخبير وملاءمة تخصصه للقضية.

كذلك، وضع النظام ضوابط تتعلق بتضارب المصالح، وسرية المعلومات، والتواصل مع أطراف الدعوى، ومنع الخبير من تولي بعض المهام التي سبق أن قدم بشأنها رأياً استشارياً. وهي ضوابط ضرورية لتعزيز الحياد المهني، على أن تقترن بتطبيق جاد يضمن الالتزام بها ومساءلة من يخالفها.

فالخبرة القضائية لا تستمد قيمتها من معرفة الخبير وحدها، بل من ثقة المحكمة والمتقاضين باستقلاله وموضوعيته وسلامة منهجه.

تقييم الأداء.. خطوة نحو تحسين الجودة:

لعل من أبرز الجوانب التي تستحق الاهتمام في النظام إخضاع أداء الخبراء للتقييم، وفق المادة (19)، بحيث تكون نسبة تقييم المحكمة 60%، ونسبة تقييم وحدة شؤون الخبرة 40%، مع ترتيب إجراءات على نتائج التقييم الضعيف أو المتوسط.

ومن حيث المبدأ، فإن ربط الاستمرار في ممارسة الخبرة بمستوى الأداء يمثل توجهاً إيجابياً؛ إذ لا ينبغي أن يكون اعتماد الخبير امتيازاً دائماً بمعزل عن جودة العمل الذي يقدمه، بل مسؤولية مهنية تستوجب المحافظة على الكفاءة والتطوير المستمر.

غير أن نجاح هذه الآلية يتوقف على طبيعة المعايير التي سيجري اعتمادها. فمن المهم أن يقيس التقييم دقة التقرير، وسلامة الأسس الفنية التي بني عليها، ومدى استجابته للمهمة التي حددتها المحكمة، ووضوح نتائجه، والتزام الخبير بالأصول المهنية والمواعيد المقررة.

كما ينبغي التمييز بين القصور الفني الحقيقي وبين مجرد اختلاف المحكمة أو أحد أطراف الدعوى مع النتيجة التي انتهى إليها الخبير. فالتقييم الموضوعي لا يقيس مدى إرضاء التقرير لأطراف الخصومة، وإنما يقيس جودة العمل الفني وسلامة المنهج الذي اتبعه الخبير.

ومن شأن اعتماد معايير واضحة وقابلة للتحقق، مع ضمان حق الخبير في الاعتراض وفق الإجراءات المقررة، أن يعزز الثقة في منظومة التقييم، ويحولها إلى أداة لتحسين الجودة، لا مجرد وسيلة للمساءلة الإدارية.

سرعة التقاضي وكلفته:

لا يمكن الحديث عن تطوير الخبرة القضائية بمعزل عن أثرها على مدة التقاضي وكلفته. فالخبرة قد تكون ضرورية للوصول إلى الحقيقة الفنية، لكنها قد تتحول إلى مصدر لإطالة أمد الدعوى إذا تأخر تعيين الخبير أو إعداد التقرير أو استكمال النواقص فيه.

وقد تضمن النظام إنشاء وحدات لشؤون الخبرة في المحاكم التي يحددها وزير العدل، لمتابعة تنفيذ قرارات إجراء الخبرة وتسمية الخبراء والإجراءات المتعلقة بها. ويمكن لهذه الوحدات أن تؤدي دوراً مهماً في تحسين التنسيق والمتابعة، إذا زودت بالإمكانات اللازمة، واعتمدت إجراءات واضحة لقياس الإنجاز ومعالجة التأخير.

كذلك، فإن تنظيم أسس احتساب أجور الخبراء وإنشاء حساب لأجور الخبراء في كل محكمة، مع تنظيم إجراءات الإيداع والصرف والرد، يمثلان جانباً مهماً من تنظيم هذه العملية.

لكن الأثر الفعلي لهذه الأحكام سيظل مرتبطاً بمدى مراعاة أجور الخبرة لطبيعة المهمة وحجمها والجهد المطلوب لإنجازها، وبمدى وضوح الكلفة بالنسبة إلى المتقاضين، دون الإخلال بحق الخبير في أجر يتناسب مع العمل المهني الذي يؤديه.

فالعدالة لا تتحقق فقط عندما يكون الحكم صحيحاً، وإنما تكتمل صورتها عندما تكون إجراءات الوصول إليه معقولة من حيث الوقت والكلفة أيضاً.

التنظيم الإداري والاستقلال المهني:

أنشأ النظام مجلساً لتنظيم شؤون الخبرة برئاسة وزير العدل، وأسند إليه مجموعة من المهام، تشمل اعتماد الخبراء، وتنظيم شؤونهم، وإقرار أسس تقييم أدائهم، والنظر في المسائل المتعلقة بمساءلتهم المهنية.

وتقتضي أهمية هذه الصلاحيات أن يقترن التنظيم الإداري بمعايير فنية واضحة، وإجراءات شفافة، وتطبيق متسق للقواعد على جميع الخبراء. كما أن نشر المعلومات المتعلقة بالاعتماد والتقييم والتدابير التأديبية، في الحدود التي تسمح بها التشريعات، من شأنه أن يعزز الثقة في عدالة المنظومة.

ولا يعني ذلك التشكيك في بنية النظام أو افتراض وجود خلل في تطبيقه، وإنما التأكيد على أن طبيعة الخبرة القضائية، بوصفها أداة مساعدة في تحقيق العدالة، تتطلب عناية خاصة بضمان الموضوعية والمهنية والحياد.

كيف نعرف أن النظام حقق أهدافه؟

إن القيمة الحقيقية لأي تشريع لا تقاس فقط بما يتضمنه من أحكام، وإنما بما يحدثه من تغيير في الواقع العملي. ومن هنا، فإن تقييم أثر نظام الخبرة الجديد ينبغي أن يستند، بعد بدء تطبيقه، إلى مؤشرات واضحة، من أبرزها متوسط المدة اللازمة لتسمية الخبير وإنجاز التقرير، ونسبة التقارير المقدمة ضمن المواعيد المحددة، ومدى الحاجة إلى استكمالها بسبب النقص الفني، وتكلفة الخبرة بحسب نوعها، ونتائج الشكاوى المهنية، وعدالة توزيع المهام بين الخبراء.

كما أن نشر نتائج دورية عن أداء المنظومة، بالقدر الذي لا يتعارض مع سرية الدعاوى وحماية البيانات، من شأنه أن يتيح تقييماً موضوعياً لمدى نجاح النظام في تحقيق الغايات التي وضع من أجلها.

وهنا تبرز أهمية عدم الاكتفاء بقياس عدد الخبراء المسجلين أو عدد الإجراءات المنجزة؛ فالمعيار الأهم هو جودة الخبرة، ومدى مساهمتها في مساعدة المحكمة على الفصل في النزاع، وتقليل التأخير غير المبرر، وتعزيز ثقة المتقاضين بالإجراءات القضائية.

الخلاصة: قيمة التشريع فيما يحققه:

إن نظام الخبرة لدى المحاكم النظامية رقم (48) لسنة 2026 يحمل في أحكامه عناصر إيجابية يمكن أن تسهم في تطوير منظومة الخبرة القضائية في الأردن، ولا سيما في مجالات الاعتماد والتخصص، وتنظيم الاختيار، وتقييم الأداء، والمساءلة المهنية، وإدارة الأجور والإجراءات.

ومع ذلك، فإن الحكم النهائي على قيمته المضافة يحتاج إلى متابعة تطبيقه، ومقارنة نتائجه بما كان قائماً، والتحقق من انعكاس أحكامه على واقع المحاكم وحقوق المتقاضين.

فالخبير ليس بديلاً عن القاضي، ولا يحل رأيه الفني محل السلطة القضائية في تقدير الأدلة وإصدار الأحكام، لكنه قد يؤدي دوراً مؤثراً في تكوين القناعة القضائية في المسائل التي تستلزم معرفة متخصصة. ولذلك، فإن جودة الخبرة وحيادها وسلامة إجراءاتها ليست شأناً إدارياً يخص الخبراء وحدهم، بل مسألة ترتبط بجودة العدالة ذاتها.

إن نجاح النظام لن يقاس بما أضافه من سجلات ولجان وإجراءات، بل بما يضيفه إلى ثقة المواطن بعدالة القضاء، وبما يحققه من خبرة أكثر دقة وحياداً وكفاءة، وإجراءات أكثر وضوحاً وانتظاماً.

وعندها فقط يمكن القول إن نظام الخبرة الجديد لم يضف تنظيماً إدارياً فحسب، بل أسهم فعلياً في تطوير إحدى الأدوات المهمة التي تستند إليها العدالة في الوصول إلى أحكامها.

مدار الساعة ـ