لم يعد الحوثيون مجرد جماعة مسلحة تسعى إلى تثبيت سيطرتها داخل اليمن. ما يجري هو تحول تدريجي في طبيعة المشروع الحوثي، من حركة محلية تخوض صراعاً على السلطة إلى قوة عسكرية عقائدية تحاول فرض نفسها طرفاً مؤثراً في التوازنات الأمنية للشرق الأوسط. والخطورة لا تكمن في امتلاك الجماعة للصواريخ والطائرات المسيّرة وحدها، بل في الطريقة التي تستخدم بها هذه القدرات لفرض حسابات جديدة على الدول، وتعطيل المصالح الاقتصادية، والتأثير في قرارات القوى الدولية دون الحاجة إلى تحقيق انتصار عسكري تقليدي.
لفهم ما يريده الحوثيون فعلياً لا بد من التمييز بين ثلاثة أهداف مترابطة: المحافظة على السلطة داخل اليمن، وانتزاع موقع إقليمي لا يمكن تجاوزه، والتحول إلى قوة ضغط عسكرية تستطيع التأثير في خصوم إيران دون أن تتحمل طهران بالضرورة التكلفة المباشرة للمواجهة. هذه الأهداف تفسر جانباً كبيراً من سلوك الجماعة لكنها تكشف أيضاً عن تناقض أساسي في مشروعها فكلما توسعت طموحاتها الإقليمية ازدادت المخاطر التي تهدد بقاءها في الداخل.الهدف الأول هو تحويل السيطرة الجغرافية إلى نفوذ أمني يتجاوز حدود اليمن. فالموقع الذي يتمتع به الحوثيون بالقرب من البحر الأحمر وباب المندب يمنحهم ميزة لا تمتلكها معظم الجماعات المسلحة في المنطقة. السيطرة على الأرض هنا ليست مجرد وسيلة لحماية السلطة، وإنما قاعدة لممارسة الضغط على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومن الناحية العسكرية، لا يحتاج الحوثيون إلى السيطرة الكاملة على المضيق أو إغلاقه بصورة دائمة. يكفي أن يمتلكوا القدرة على تهديد السفن بصورة متقطعة حتى تتحول المنطقة إلى مصدر قلق دائم لشركات الملاحة والتأمين والقوى البحرية الدولية.وهنا تظهر نقطة أمنية مهمة وهي أن الحوثيون لا يقيسون نجاح عملياتهم بعدد السفن التي يصيبونها فقط، وإنما بحجم الاضطراب الذي يستطيعون إحداثه. فقد تحقق عملية محدودة أثراً اقتصادياً وسياسياً يفوق قيمتها العسكرية المباشرة. وهذا يعني أن غياب الهجمات لفترة معينة لا يدل بالضرورة على تراجع قدرات الجماعة، فقد يكون جزءاً من إدارة التصعيد أو المحافظة على القدرة على التهديد. لذلك فإن قياس مستوى الخطر بعدد الهجمات وحده قد يؤدي إلى تقديرات مضللة.أما الهدف الثاني فيتعلق بإيران، وهنا ينبغي تجنب القراءة المبسطة التي تعتبر الحوثيين مجرد تنظيم يتلقى التعليمات وينفذها. العلاقة أكثر عُمقاً وتقوم على مصالح مشتركة مع وجود هامش من الاستقلال في القرار. فإيران تستفيد من وجود قوة عسكرية قادرة على تهديد الملاحة الدولية وإشغال خصومها بعيداً عن أراضيها بينما يحصل الحوثيون على دعم تقني وعسكري وسياسي يعزز قدرتهم على البقاء والتوسع.لكن السؤال الأهم يتعلق بمستقبل هذه العلاقة. فمن المحتمل أن يسعى الحوثيون تدريجياً إلى الانتقال من موقع القوة التابعة إلى موقع الشريك الذي يمتلك أوراق ضغط خاصة به. وكلما تعرضت القوى المسلحة المرتبطة بإيران في ساحات أخرى لضغوط عسكرية، ازدادت القيمة الاستراتيجية للجماعة الحوثية. غير أن ارتفاع هذه القيمة قد يجعلها أكثر عرضة للمواجهة خصوصاً إذا أصبحت جزءاً أساسياً من أي تصعيد إقليمي واسع.والاحتمال المهم هو أن تتحول العلاقة مع إيران من علاقة دعم وتسليح إلى علاقة تنسيق أوسع في إدارة الأزمات الإقليمية. ففي هذه الحالة لا يكون المطلوب من الحوثيين تحقيق انتصار عسكري وإنما فتح جبهة ضغط إضافية في توقيت يخدم المصالح المشتركة. ومع ذلك لا توجد أدلة علنية كافية تسمح بافتراض أن كل عملية حوثية تصدر بتوجيه إيراني مباشر. وقد تتخذ قيادة الجماعة قرارات مستقلة عندما ترى أن مصالحها المحلية تتطلب ذلك.الهدف الثالث هو تغيير قواعد الردع العسكري. يدرك الحوثيون أنهم لا يستطيعون مجاراة الجيوش المتقدمة في القوة الجوية أو البحرية أو أنظمة القيادة والسيطرة. ولذلك يعتمدون على استنزاف الخصم بدلاً من محاولة هزيمته في مواجهة مباشرة. فالطائرات المسيّرة والصواريخ تمنح الجماعة قدرة على فرض استجابة دفاعية مكلفة، حتى عندما تكون النتائج الميدانية للهجمات محدودة.وهذا أحد أخطر أوجه التهديد الحوثي. فالجماعة تستطيع أن تفرض على خصومها حالة استنفار طويلة، وأن تدفعهم إلى تخصيص موارد عسكرية ومالية كبيرة لحماية الموانئ والسفن والمنشآت الحيوية. ولا يشترط نجاح كل هجوم حتى تنجح استراتيجية الاستنزاف؛ إذ إن استمرار احتمال الهجوم قد يكون كافياً لفرض تكاليف أمنية واقتصادية متراكمة.غير أن هذا الأسلوب يكشف أيضاً عن نقطة ضعف مهمة. فالحوثيون يعتمدون على قدرتهم على الاستمرار في إطلاق التهديدات أكثر من اعتمادهم على تحقيق تفوق عسكري حاسم. وإذا تعرضت منظوماتهم اللوجستية ومصادر الإمداد والقيادة لضغوط مستمرة، فقد تتراجع قدرتهم على المحافظة على مستوى التصعيد نفسه. لكن تراجع وتيرة العمليات لا يعني تلقائياً فقدان القدرة على استئنافها، وهو ما يجعل تقييم التهديد الحوثي أكثر تعقيداً من مجرد قياس الخسائر العسكرية المعلنة.ومن الزاوية الأمنية ينبغي التمييز بين القدرة العسكرية والنية السياسية. امتلاك الحوثيين وسائل لضرب أهداف بعيدة لا يعني بالضرورة أنهم قرروا استخدامها ضد كل هدف يقع ضمن مداها. فالقرار يرتبط بحسابات الرد والانتقام، واحتمالات التدخل الدولي، وحجم المكاسب السياسية المتوقعة. وقد يكون التهديد العلني أحياناً أكثر فائدة للجماعة من التنفيذ، لأنه يسمح لها بانتزاع اهتمام سياسي دون تحمل نتائج مواجهة عسكرية واسعة.انطلاقاً من هذه المعطيات فإن تقدير المسار المقبل للحوثيين لا يعتمد على قدراتهم العسكرية وحدها بل على قراءة حسابات القيادة وحدود استعدادها للمخاطرة وطبيعة علاقتها بإيران ومدى قدرتها على تحمل تبعات المواجهة. وفي ضوء هذه العوامل، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد تحكم سلوك الجماعة خلال المرحلة المقبلة.السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة فيتمثل في استمرار التصعيد المتقطع والمحسوب. والأرجح أن يحافظ الحوثيون على نمط يجمع بين التهديدات العلنية وفترات التهدئة والعمليات المحدودة، مع تعديل مستوى النشاط تبعاً للتطورات الإقليمية. فالقيادة الحوثية تدرك أن الحرب المفتوحة قد تهدد مكاسبها داخل اليمن، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن التراجع الكامل عن التهديدات الخارجية قد يفقدها جزءاً من نفوذها السياسي.أما السيناريو الثاني، وهو أقل ترجيحاً لكنه أشد خطورة، فيتمثل في توسيع نطاق التهديد من السفن إلى البنية الاقتصادية المحيطة بالملاحة الدولية. وقد يشمل ذلك، على مستوى التهديد العام، الموانئ والخدمات اللوجستية والمرافق المرتبطة بحركة التجارة. ولا توجد معطيات علنية كافية للجزم بوجود قرار حوثي بتنفيذ هذا السيناريو، لكنه يظل احتمالاً يستحق الدراسة بسبب طبيعة الاستراتيجية التي تعتمدها الجماعة. فاستهداف النشاط الاقتصادي قد يحقق أثراً يتجاوز الضرر المادي المباشر، لكنه في المقابل قد يؤدي إلى رد عسكري دولي أشد اتساعاً.أما السيناريو الثالث، فيرتبط بمستقبل المواجهة بين إيران وخصومها. فإذا تعرضت طهران لضغوط عسكرية أو سياسية كبيرة، فقد يصبح الحوثيون أكثر أهمية باعتبارهم قوة قادرة على ممارسة الضغط من جبهة جغرافية مختلفة. لكن هذا السيناريو ليس حتمياً؛ إذ قد تفضل قيادة الجماعة تجنب الدخول في مواجهة تهدد وجودها داخل اليمن. وهنا سيظهر الاختبار الحقيقي لاستقلال قرارها: هل ستقدم بقاء سلطتها المحلية، أم ستقبل بتحمل خسائر كبيرة خدمةً لحسابات إقليمية أوسع؟ومن التحولات المحتملة هي انتقال الحوثيين من المطالبة بالاعتراف السياسي إلى محاولة فرض اعتراف عملي بنفوذهم الأمني على مناطق بحرية ومرافق استراتيجية. وهذا تحول بالغ الخطورة لأنه يعني أن الجماعة قد تسعى إلى تحويل قدرتها على التهديد إلى سلطة أمر واقع، بحيث تصبح سلامة الملاحة مرتبطة بصورة غير مباشرة بقراراتها ومواقفها السياسية.لكن يوجد بُعداً أمنياً آخر لا يقل أهمية يتعلق بطبيعة القيادة الحوثية نفسها. فالجماعة تجمع بين التنظيم العسكري والعقيدة السياسية وشبكات النفوذ المحلية. وهذا يجعل قراراتها مختلفة عن قرارات الجيوش النظامية التي تعمل ضمن مؤسسات دولة واضحة. فالاعتبارات العقائدية والرمزية قد تؤثر في حسابات التصعيد، وقد تدفع القيادة أحياناً إلى تحمل خسائر لا تبدو مبررة وفق المنطق العسكري التقليدي، إذا اعتقدت أن تلك الخسائر تعزز صورتها أمام أنصارها.كما أن التهديد الحوثي لا ينفصل عن استخدام الإعلام والرسائل السياسية في إدارة المواجهة. فالخطاب العسكري للجماعة يؤدي وظيفة تتجاوز الإعلان عن العمليات؛ إذ يسعى إلى تثبيت صورة القوة القادرة على الوصول والتأثير، وإقناع الجمهور الداخلي بأن المواجهة الخارجية جزء من الدفاع عن مشروعها السياسي. ومن هنا فإن المبالغة في تصوير قدرات الحوثيين قد تخدم أهدافهم، تماماً كما أن الاستهانة بهذه القدرات قد تؤدي إلى أخطاء خطيرة في تقدير المخاطر.وتبقى مسألة التماسك الداخلي عاملاً حاسماً في مستقبل الجماعة. فاستمرار التعبئة العسكرية والصراع الخارجي قد يساعد القيادة على ضبط الخلافات الداخلية وتأجيل المطالب الاقتصادية والاجتماعية، لكنه لا يستطيع إلغاء هذه الضغوط إلى أجل غير محدد. وإذا تدهورت الظروف المعيشية بصورة أكبر، فقد تجد القيادة نفسها أمام معادلة صعبة: المحافظة على التصعيد الخارجي بوصفه مصدراً للشرعية السياسية، أو تخفيف المواجهة لتجنب اتساع الاستنزاف الداخلي.ومن المهم هنا عدم الخلط بين القدرة على إحداث الضرر والقدرة على تحقيق أهداف استراتيجية مستدامة. فالحوثيون يمتلكون وسائل لتهديد مصالح دولية مهمة، لكن ذلك لا يعني امتلاكهم القدرة على فرض نظام إقليمي جديد أو مواجهة تحالفات عسكرية متقدمة لفترات غير محدودة. قدرتهم الحقيقية تكمن في استغلال الفجوة بين تكلفة الهجوم وتكلفة الحماية، وبين سرعة تنفيذ العمليات وتعقيد القرارات السياسية اللازمة للرد عليها.التقدير الأخطر أن الحوثيين لم يعودوا يتعاملون مع الصواريخ والمسيّرات بوصفها أدوات قتال فقط بل باعتبارها وسيلة لفرض موقع سياسي وأمني يتجاوز حدود اليمن. لكن حساباتهم تقوم على رهان محفوف بالمخاطر بأن تبقى قدرتهم على إرباك المنطقة أكبر من قدرة خصومهم على استنزافهم. وإذا اختل هذا التوازن فقد تنتقل الجماعة من موقع القوة التي تفرض التهديد إلى هدف لمواجهة أوسع تستنزف قدراتها وتهدد تماسكها الداخلي. وعندها لن تكون المسألة مجرد خسارة نفوذ إقليمي بل احتمال انهيار المشروع الذي سعت الجماعة إلى بنائه بالقوة طوال سنوات.الحوثيون وإعادة تشكيل التهديد في الشرق الأوسط
مدار الساعة ـ