مدار الساعة - كتب الصحفي رفاد العياصرة -
من كتاب سردية عمانالفصل التاسع: عبدون ودابوق والصويفية - عمّان الزجاج*_________________إنها جبال المال الجديد، تلك التي إذا صعدتَ إليها من ضجيج وسط البلد، من رائحة البهار في شارع الملك طلال وصوت بائعي السكر، شعرتَ كأنك غادرتَ الأردن إلى بلد آخر، فالشوارع هناك أوسع مما ينبغي، والأشجار مرتبة أكثر مما ينبغي، والهدوء موحش، لا أحد يمشي على الرصيف، ولا دكان صغير يفتح بابه، ولا صوت فيروز يخرج من مذياع قديم، فأنت الآن في عمّان الثانية، عمّان الزجاج.في عبدون ودابوق والصويفية كل شيء من زجاج عاكس، قصور لا تشبه البيوت، واجهات ضخمة تعكس صورتك إذا وقفت أمامها لكنها لا تريك من في الداخل، وهي تماماً كأهلها، ترى سيارته الفاخرة وساعته الثمينة والمطعم الذي يرتاده لكنك لا ترى قلبه ولا تعرف حكايته، هناك تسكن السفارات والشركات التي لا يعرف أحد ماذا تبيع بالضبط والأسماء التي تملك شركات في دبي ولندن وعمّان في آن واحد، وهناك يسود القانون الأكبر الذي يحكم تلك الجبال وهو أن عرفها أنه لا عرف لها، ففي جبل الحسين العرف أن تسلم على جارك، وفي الوحدات العرف أن تدخل بيت جارك إذا شممت رائحة طبخته، أما في الصويفية فلا عرف، فكل واحد من عالم، جارك الأول من عالم البنوك والثاني من عالم النفط والثالث لا أحد يعرف من أين جاء ولا ماذا يعمل، ولهذا لا أحد يعرف جاره، فالجار هناك هو السور العالي وكاميرا المراقبة والكلب الذي لا ينبح إلا إذا اقتربت كثيراً، فلا أحد يسلم على أحد لا تكبراً بل لأنهم غرباء حتى عن بعضهم البعض، وحياتها سريعة حد الهروب، سيارات فاخرة لا تمشي بل تطير ومطاعم لا تغلق أبداً كأن الليل ممنوع فيها ومقاه بأسعار خيالية تدفع فيها ثمن الاسم لا ثمن القهوة، كل شيء يلمع وكل شيء جديد وكل شيء يبدو سعيداً لكن لا أحد سعيد حقاً، وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي تكشف سر هذه الجبال، فهي عمّان التي تفرح ليلاً حين ترى صور وسط البلد مزدحماً في المهرجانات على مواقع التواصل وتقول ما أجمل عمّان لكنها لا تنزل إلى وسط البلد أبداً، تحب عمّان من بعيد، تحبها كصورة وكذكرى وكأغنية لكنها تخاف أن تلمسها وأن تمشي في شوارعها وأن تشم عرقها وتعبها، ولذلك تبقى فوق، هي الجبال التي ترى عمّان من فوق ولا تعيشها، تقف في شرفة قصرها الزجاجي في دابوق فترى كل عمّان تحتها، ترى أضواء جبل النظيف وجبل التاج والمخيم ووسط البلد كخارطة مضيئة جميلة لكنها لا تعرف كيف يفكر أهل تلك الأضواء ولا كيف يأكلون ولا بماذا يحلمون، إنها عمّان التي تسكن فوق عمّان وتشرف عليها لكنها ليست منها.عبدون ودابوق والصويفية - عمّان الزجاج
مدار الساعة ـ











