أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الإضراب عن الطعام في المؤسسات الإصلاحية: بين مطرقة الضغط الحقوقي وسندان المسؤولية القانونية الفردية


ثابت خالد العلاونة
محامٍ متدرب

الإضراب عن الطعام في المؤسسات الإصلاحية: بين مطرقة الضغط الحقوقي وسندان المسؤولية القانونية الفردية

ثابت خالد العلاونة
ثابت خالد العلاونة
محامٍ متدرب
مدار الساعة ـ

يعد الإضراب عن الطعام داخل السجون والمراكز الإصلاحية واحدة من أشد وأعنف الوسائل الاحتجاجية التي يلجأ إليها النزلاء للمطالبة بحقوقهم أو الاعتراض على ظروف احتجازهم أو حتى للضغط بغية الإفراج عنهم ، ومن الناحية القانونية والمهنية يطرح هذا السلوك إشكاليات معقدة تتجاوز البعد الإنساني البحت لتصطدم بجدلية تنازع الحقوق الحق في الاحتجاج والتعبير في مواجهة الحق في الحياة والسلامة الجسدية وذلك فضلاً عن المسؤولية القانونية المترتبة على ذلك.

- بصفتنا رجال قانون فإننا ننظر إلى الإضراب عن الطعام لا سيما عندما يتطور إلى حالة من التأزم وتدهور الحالة الصحية للسجين باعتباره أداة ضغط سياسية أو نفسية بالدرجة الأولى غير أن تداعياته تقع ضمن إطار قانوني صارم يحمّل السجين المسؤولية الفردية لتبعات قراره الإرادي.

فالطبيعة القانونية والغاية المزدوجة من الاضراب عن الطعام: قانونياً لا يصنف الإضراب عن الطعام في الغالب كجريمة بحد ذاته بل هو ممارسة لقرار ذاتي بالامتناع عن تناول الغذاء غير أن آثاره تمس بشكل مباشر النظام العام داخل المؤسسات الإصلاحية، وعندما يلجأ النزيل إلى الإضراب بهدف تحويل قضيته إلى قضية رأي عام أو الضغط على الجهات القضائية والتنفيذية لإخراجه من السجن فإنه يحاول استثمار التعاطف الإنساني لكسر القيود القانونية المنظمة لعملية الإفراج وهنا يبرز الخطر الحقيقي في تحويل النزاع القضائي المحكوم بأدلة وإجراءات إلى ورقة ضغط جسدية، فمن ناحية خطورة الأداة وتدهور الحالة الصحية للسجين عندما يدخل المضرب في مراحل متقدمة من الامتناع عن الطعام والماء تبدأ المؤشرات الحيوية بالتدهور الحاد مما ينقل القضية من نطاق الاحتجاج السلمي إلى خطر الموت المحدق.

وهنا تبرز المعضلة القانونية والإنسانية : فمن التزام الدولة الدستوري والقانوني حيث تفرض التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية مثل قواعد مانديلا الخاصة بمعاملة السجناء التزاماً قانونياً وأخلاقياً على إدارة السجون بحماية حياة النزلاء ورعايتهم صحياً، وايضا من خلال تدخل الأطقم الطبية حيث تواجه السلطات الطبية التزاماً مهنياً بإنقاذ حياة السجين مما قد يفتح الباب أمام إجراءات الإطعام القسري التي تحيط بها إشكاليات أخلاقية وقانونية تتعلق بمدى انتهاكها للحرية الجسدية للمحتجز مقابل حماية الحق في الحياة.

ف من خلال المسؤولية القانونية : فان السجين هو المتحمل الوحيد للتبعات من منظور فقهي وقانوني بحت فإن الإقدام على الإضراب عن الطعام هو قرار إرادي وواعي يصدر عن شخص تامة أهليته القانونية (ما لم يثبت العكس طبياً) وبناءً على ذلك يتحمل السجين وحده التبعات القانونية والصحية المترتبة على قراره فالقانون لا يعذر الشخص إذا ألحق الضرر بنفسه نتيجة احتجاج اختاره بكامل إرادته الواعية بينما تضمن الدولة الحد الأدنى من شروط الاحتجاز والرقابة الصحية فإنها لا تعد مسؤولة قانوناً عن تدهور صحة المضرب طالما التزمت بواجباتها الأساسية في توفير الرعاية والعرض المستمر على الأطباء ولم تتعسف في حقوقه المقررة قانوناً.

- فعدم جواز استخدام الإضراب كبديل عن المسارات القانونية يؤكد الفقه القانوني أن الضغط عبر الإضراب لا يشكل سنداً قانونياً صحيحاً للإفراج فالإفراج القضائي أو العفو يخضعان لضوابط تشريعية ومؤسسية دقيقة لا يمكن تجاوزها بالضغط الجسدي وإلا تحولت العدالة إلى رهينة في يد الضغوط الشخصية.

-نهاية حديثي هذا فإنني اقول ان الإضراب عن الطعام في درجاته المتقدمة هو مغامرة غير محسوبة النتائج تعرض حياة الإنسان للخطر دون أن تقدم ضمانة حقيقية لتغيير الموقف القانوني بالطرق السليمة وبصفتنا ممثلين قانونيين ومحامين فإننا نؤكد دائماً أن قاعات المحاكم وأروقة القضاء والمسارات القانونية المشروعـة هي الميدان الوحيد والآمن للدفاع عن حقوق الموكلين وأن الرهان على تعطيل الجسد كأداة ضغط هو طريق محفوف بالمخاطر القانونية والجسدية التي يقع وزرها كاملاً على عاتق السجين وحده.

مدار الساعة ـ