أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الشرق الأوسط في مواجهة الهجمات السيبرانية.. أين يقف الأردن دفاعيًا؟

مدار الساعة,مقالات,الحسين بن عبدالله الثاني,ولي العهد,الذكاء الاصطناعي
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - بقلم :الدكتورة فرح زعاترة - في منطقة تتسع فيها رقعة الصراعات، وتتشابك فيها المصالح والحسابات السياسية والعسكرية، لم يعد الفضاء السيبراني مجرد امتداد للتقدم التكنولوجي، بل غدا ميدانا جديدا تتقاطع فيه مصالح الدول، وتختبر فيه قدرتها على حماية أمنها وسيادتها، وقد كشفت المواجهات التي شهدها الشرق الأوسط منذ أكتوبر 2023 أن الهجمات السيبرانية باتت أداة مؤثرة في موازين القوة الإقليمية، بما تحمله من مخاطر تطال مؤسسات الدولة ومرافقها الحيوية ومصالحها الاستراتيجية، غير أن قوة الدول في هذا الميدان لا تقاس بعدد الهجمات التي تتعرض لها، بل بقدرتها على التصدي لها واحتواء آثارها، ومن هذه الزاوية، تكتسب التجربة الأردنية أهمية خاصة في قراءة التحولات التي طرأت على مفهوم الأمن الوطني.

وتكشف الأرقام الواردة في تقرير شركة "بوزيتيف تكنولوجيز" لعام 2026، حجم التحدي الذي تواجهه دول المنطقة، إذ شهد الربع الأول من عام 2026 وحده 51% من الهجمات السيبرانية خلال فترة امتدت قرابة عام، فيما استحوذت إسرائيل على 33% من إجمالي الهجمات، مقابل 12% للسعودية و11% للإمارات، ولم تكن الكلفة الاقتصادية لهذه التهديدات أقل خطورة من آثارها الأمنية، فقد بلغ متوسط تكلفة اختراق البيانات لدى المؤسسات في بعض دول الشرق الأوسط نحو 8 ملايين دولار للحادثة الواحدة، بحسب تقرير تكلفة اختراق البيانات الصادر عن شركة "آي بي إم"، بما يشمله ذلك من خسائر تشغيلية ونفقات للاستجابة والتعافي، وهي أرقام تكشف أن الخطر السيبراني بات يتجاوز الأنظمة الرقمية ليطال الاقتصاد ومرافق الدولة ومصالحها الحيوية.

ولم يكن الأردن بمنأى عن هذه المواجهة، فكلما اشتدت التوترات الإقليمية، امتدت انعكاساتها إلى فضائه السيبراني، كما أظهر تقرير المركز الوطني للأمن السيبراني للربع الأول من عام 2026 تصاعد هجمات حجب الخدمة، وتواجه المملكة تهديدات متعددة المصادر، تتداخل فيها أنشطة التجسس المرتبطة بجهات مدعومة من دول، والقرصنة ذات الدوافع السياسية، والجرائم الإلكترونية الساعية إلى الابتزاز المالي، والأخطر أن الاستهداف يطال قطاعات ترتبط مباشرة باستمرارية عمل الدولة، فبحسب تقرير المركز للربع الثاني من عام 2026، استحوذت الخدمات الحكومية على 29% من الحوادث التي جرت الاستجابة لها، تلتها الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بنسبة 23%، والخدمات المالية والمصرفية بنسبة 21%، وهكذا، لم تعد المواجهة مقتصرة على حماية البيانات، بل أصبحت دفاعا عن مرافق تمس حياة المواطنين وأمن الوطن.

ولم تكن الخطوات التي قطعها الأردن في ميدان الأمن السيبراني وليدة التهديدات الراهنة، بل امتدادا لرؤية هاشمية بعيدة النظر، ونهج وطني أدرك مبكرا أن أمن الأوطان لم يعد يصان عند حدودها الجغرافية فحسب، وأن السيادة الوطنية باتت تمتد إلى الفضاء السيبراني بما يحمله من فرص ومخاطر، فقد سبق الأردن موجات التصعيد الأخيرة في بناء أطره التشريعية والمؤسسية، وهو ما أتاح لمؤسساته قاعدة وطنية تستند إليها في مواجهة التهديدات الراهنة، وفي هذا المسار، يبرز اهتمام سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، الذي عكست متابعته للبرنامج الوطني للأمن السيبراني والاستراتيجية الوطنية للأعوام 2025–2028 أهمية هذا الملف ضمن أولويات الدولة، والحرص على تأهيل الكفاءات الأردنية وحماية القطاعات الحيوية.

ولعل ما يعزز مكانة الأردن في هذا الميدان أن جهوده لم تبق حبيسة الخطط والتطلعات، بل انعكست في حضوره المتقدم على خريطة الأمن السيبراني العالمية، إذ صنفه الاتحاد الدولي للاتصالات في مؤشر الأمن السيبراني العالمي لعام 2024 ضمن المستوى الأول، المخصص للدول التي أظهرت التزاما متقدما بمتطلبات الأمن السيبراني، وتكتسب هذه المكانة أهميتها من كونها تعكس ما راكمته المملكة من مقومات تشريعية ومؤسسية وتقنية، وتؤكد أهمية الاستعداد المبكر في بناء منظومة وطنية قادرة على مواكبة التهديدات المتجددة، وإن ظل الأداء الدفاعي الفعلي مرهونا بنتائج الرصد والاستجابة وحماية الخدمات.

وفي مواجهة هذه التهديدات، يخوض جنود الأردن في ميدان الأمن السيبراني معركة دفاعية لا ترى تفاصيلها في الحياة اليومية، فخلف الشاشات، تعمل الكفاءات الوطنية على مراقبة الشبكات وكشف الثغرات وتحليل محاولات الاختراق والاستجابة للحوادث، وقد أظهر تقرير المركز الوطني للأمن السيبراني للربع الأول من عام 2026 انخفاض الحوادث المرصودة بنسبة 16% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما لم تتجاوز الحوادث الخطيرة 0,5% من الإجمالي، وبحسب تقرير المركز للربع الثاني من العام نفسه، ارتفعت الحوادث بنسبة 22%، فيما بقيت الحوادث الخطيرة عند 1,1%، ولا تعني هذه الأرقام إحباط جميع الهجمات، لكنها توضح طبيعة المخاطر التي تواجهها المؤسسات، وأهمية الجهود الوطنية في مراقبتها والتعامل معها.

ولعل أكثر ما يستحق التقدير أن جانبا كبيرا من هذه الجهود يجري بعيدا عن أنظار المواطنين، فبينما تتعرض المؤسسات الحكومية والقطاعات الحيوية لمحاولات التعطيل والاختراق، تعمل المنظومة الدفاعية على الحد من آثارها وحماية استمرارية الخدمات، ورغم تسجيل انقطاعات لحظية محدودة خلال الربع الأول من عام 2026، لم تكشف التقارير الرسمية عن تعطيل وطني واسع للخدمات الحيوية، وهنا تتجلى إحدى صور الأمن والأمان الذي ينعم به الأردن، إذ تمضي الحياة اليومية في استقرار نسبي، بينما تقف وراء استمرار الخدمات مؤسسات وكفاءات وطنية تبذل جهودا متواصلة لحماية مقدرات المملكة.

ولا تقف أهمية التجربة الأردنية عند مواجهة التهديدات القائمة، بل تمتد إلى الاستعداد لما تحمله المرحلة المقبلة من تحديات أكثر تعقيدا، خصوصا مع تصاعد الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي واستهداف الأنظمة والبيانات الحساسة، ومن هنا تكتسب الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني للأعوام 2025–2028 أهميتها، بما تضعه من أولويات لحماية البنى التحتية الحيوية وتعزيز المرونة المؤسسية وتطوير الكفاءات الوطنية، فالدفاع السيبراني لا يقوم على التكنولوجيا وحدها، وإنما على تكامل المؤسسات والخبرات البشرية والقدرة على التطوير المستمر.

وفي نهاية المطاف، فإن موقع الأردن دفاعيا لا تحدده أعداد الهجمات التي تستهدفه وحدها، بل ما يمتلكه من مؤسسات وكفاءات وطنية وقدرات للرصد والاستجابة، وتقدم التجربة الأردنية مثالا على قيمة البناء المبكر للأمن السيبراني، فيما تبقى المحافظة على استمرارية الخدمات ومواكبة التهديدات اختبارا دائما لفاعلية هذه المنظومة، وبينما يواجه الشرق الأوسط تحديات سيبرانية متصاعدة، يواصل الأردن تطوير دفاعاته الرقمية مستندا إلى مسار مؤسسي متراكم، وإدراك بأن حماية الوطن لم تعد تقتصر على حدوده الجغرافية، بل تشمل فضاءه الرقمي الذي تقوم عليه مصالحه ومستقبل أجياله.


مدار الساعة ـ