لم يعد الصراع بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثيين مجرد مواجهة عسكرية على حدود اليمن، بل تحول إلى تهديد استراتيجي يتجاوز الجغرافيا اليمنية والخليجية، ليطال أمن الطاقة العالمي، وحرية الملاحة الدولية، واستقرار الاقتصاد العالمي. فحين تصبح المطارات والمنشآت النفطية والسفن التجارية أهدافًا للصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن العالم لا يواجه أزمة أمنية عابرة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرته على حماية السلم والأمن الدوليين.
لقد كشفت هذه المواجهة أن التفوق العسكري التقليدي لم يعد كافيًا لضمان الأمن في عصر الحروب غير المتكافئة، حيث تستطيع جماعات مسلحة استخدام أسلحة منخفضة التكلفة لتهديد منشآت حيوية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، وإرباك اقتصادات وطنية، ورفع تكاليف النقل والتأمين والطاقة.وتواجه المملكة العربية السعودية معادلة استراتيجية بالغة التعقيد؛ فهي مطالبة بحماية سيادتها وأمن مواطنيها ومنشآتها الاقتصادية، وفي الوقت ذاته تجنب الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة قد تعرقل طموحاتها التنموية ومشاريعها الاقتصادية الكبرى. ومن هنا، فإن نجاح الاستراتيجية السعودية لا يُقاس بحجم القوة العسكرية المستخدمة، وإنما بقدرتها على تحقيق الردع، واحتواء التهديدات، وتهيئة الظروف لتسوية سياسية مستدامة.وتتضاعف خطورة الصراع عندما ننتقل من الحدود السعودية اليمنية إلى مضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية للتجارة العالمية. فهذا المضيق الاستراتيجي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط، ويشكل ممرًا حيويًا للطاقة والبضائع المتجهة إلى الأسواق الدولية.إن تهديد الملاحة في باب المندب لا يعني تعطيل حركة السفن فحسب، بل يعني ارتفاع أسعار السلع والطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وزيادة تكاليف الإنتاج والنقل، وتحميل المستهلكين حول العالم أعباء صراعات لم يكونوا طرفًا فيها. والأخطر أن تزامن التوترات في باب المندب ومضيق هرمز قد يضع الاقتصاد العالمي أمام أزمة مزدوجة في اثنين من أهم الممرات البحرية الدولية.ولا يمكن فهم الأزمة بعيدًا عن التنافس الإقليمي، ولا سيما العلاقة بين الحوثيين وإيران، واستخدام الجماعات المسلحة في صراعات النفوذ. غير أن اختزال الحوثيين في مجرد أداة إيرانية يتجاهل حساباتهم المحلية وطموحاتهم السياسية. فالمشكلة الحقيقية تكمن في تداخل الصراعات الداخلية مع التنافس الإقليمي، وتحول اليمن إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات على حساب شعب أنهكته الحروب والانقسامات.وفي هذا السياق، تبرز أهمية المشاورات السعودية مع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية والدولية. فواشنطن معنية بحماية حلفائها وحرية الملاحة وأمن الطاقة، بينما تخشى العواصم الأوروبية التداعيات الاقتصادية والأمنية، وتسعى الدول العربية إلى منع اتساع المواجهة. لكن تضارب المصالح والحسابات يجعل الوصول إلى موقف دولي موحد أكثر تعقيدًا.وهنا ينبغي التأكيد أن البيانات الدبلوماسية والإدانات الدولية، مهما بلغت قوتها، لا تكفي وحدها لوقف الصواريخ أو حماية السفن. فالمطلوب استراتيجية متكاملة تجمع بين الدفاع الفعال، والتنسيق الأمني الإقليمي، والضغط الدبلوماسي، وإحياء المفاوضات السياسية لإنهاء الحرب اليمنية.فالقوة العسكرية قد تفرض توازنًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة مستقرة أو معالجة جذور الصراع. والانتصار الحقيقي لا يتحقق بإسكات منصات الصواريخ فقط، بل بإقامة نظام سياسي وأمني يجعل العودة إلى الحرب أقل احتمالًا.ولعل الحقيقة الأكثر خطورة أن تداعيات هذا الصراع تمتد من طوكيو إلى نيويورك، مرورًا بالرياض وعمّان ودمشق وأنقرة ولندن وباريس. ففي عالم مترابط اقتصاديًا وأمنيًا، لم تعد الحروب الإقليمية محلية النتائج، ولم تعد المسافات الجغرافية تحمي الدول من تداعياتها.وفي هذا الإطار، تكتسب رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني، التي أكدها في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أهمية استثنائية؛ إذ تقوم على أن الحلول العسكرية لا تصنع سلامًا مستدامًا، وأن الدبلوماسية واحترام القانون الدولي ومعالجة جذور الصراعات تمثل الطريق الأكثر عقلانية لحماية الشعوب واستقرار الدول.إن هذه الرؤية الملكية تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته السياسية والأخلاقية والقانونية؛ فلا يجوز أن تتحرك القوى الكبرى لحماية ناقلات النفط وتتردد في حماية الإنسان، أو أن تجعل أمن التجارة أولوية وتتجاهل صناعة السلام.ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس المزيد من بيانات القلق والإدانة، بل مبادرة دبلوماسية عربية ودولية عاجلة، تقودها الأمم المتحدة بمشاركة فاعلة من السعودية والأردن وسلطنة عُمان والقوى الدولية المؤثرة، تستهدف وقف الهجمات على المدنيين والمنشآت الحيوية، وضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر، وإطلاق مفاوضات يمنية شاملة، ضمن جدول زمني واضح وآليات تنفيذ ورقابة وضمانات دولية فاعلة.إنها لحظة اختبار حقيقية لإرادة المجتمع الدولي ومصداقيته؛ فإما أن يتحمل مسؤولياته في إطفاء حرائق المنطقة، أو يواصل دفع أثمانها المتصاعدة من أمن الشعوب واستقرار الدول وازدهار الاقتصاد العالمي.ولعل الرسالة الأبلغ التي تنسجم مع رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني هي أن السلام لا تصنعه الأمنيات ولا بيانات الشجب، بل تصنعه الإرادة السياسية والشجاعة الدبلوماسية وتحمل المسؤولية.فليكن باب المندب بوابةً للسلام والتعاون، لا شرارةً لحرب تمتد نيرانها من الرياض وعمّان إلى طوكيو ونيويورك. لقد حان الوقت لكي ينتقل العالم من إدارة الحروب إلى صناعة السلام، قبل أن تصبح كلفة الانتظار أكبر من قدرة الجميع على الاحتمال.من باب المندب إلى نيويورك: حين تهدد صواريخ الحوثيين أمن العالم واستقراره
مدار الساعة ـ