أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الشباب وصناعة القرار.. من المشاركة الشكلية إلى الشراكة في المسؤولية


د. عبد الحميد عليمات

الشباب وصناعة القرار.. من المشاركة الشكلية إلى الشراكة في المسؤولية

مدار الساعة ـ

في مقالتي السابقة، «الشباب لا يريدون أن نلتقي بهم فقط.. بل أن نسمعهم»، أشرت إلى ضرورة الانتقال في العلاقة بين المؤسسات الرسمية والشباب من اللقاءات التقليدية إلى الاستماع الجاد لتطلعاتهم، وفهم أولوياتهم، والتعامل مع أفكارهم باعتبارها مدخلًا لصناعة السياسات العامة، لا مجرد مادة للاستهلاك الإعلامي.

لكن الاستماع على أهميته، ليس نهاية الطريق بل بدايته ، فالقضية الأعمق التي ينبغي أن نطرحها اليوم هي :هل نريد شبابًا يتم دعوتهم إلى مناقشة القرارات، أم شبابًا يمتلكون القدرة على التأثير في صناعتها ؟هذا هو جوهر التمكين الحقيقي، وهو أيضًا أحد الاختبارات الجدية لمدى قدرتنا على الانتقال من الخطاب الذي يحتفي بالشباب إلى الممارسة التي تمنحهم دورًا في إدارة الشأن العام.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سياسات تمكين الشباب هو أن تتحول المشاركة إلى طقس مؤسسي، تقاس فيه النجاحات بعدد الحضور والصور والفعاليات، لا بحجم التأثير في السياسات والقرارات ،فالدولة التي تراهن على طاقات شبابها لا ينبغي أن تكتفي بمنحهم مساحة للكلام، بل عليها أن تفتح أمامهم مسارات واضحة للمبادرة والمشاركة في المسؤولية، وأن تنظر إليهم بوصفهم شركاء في معالجة التحديات الوطنية، لا فئة اجتماعية تحتاج إلى برامج مخصصة لملء أوقات فراغها.

من هنا، تبرز مسؤولية وزارة الشباب في إعادة تعريف دورها ووظيفتها ،فالمطلوب ليس مجرد توسيع قاعدة الأنشطة، أو زيادة عدد المستفيدين، أو استحداث عناوين جديدة للبرامج القائمة ،بل بناء دور وطني مؤثر يربط الشباب بمراكز القرار، ويجعل قضاياهم جزءًا من عملية التخطيط الحكومي وصناعة السياسات ،وهذا يتطلب شراكات مؤسسية حقيقية مع الوزارات والجامعات والأحزاب والبلديات ومؤسسات القطاع الخاص، بحيث لا تبقى وزارة الشباب الجهة الوحيدة المطالبة بالاستماع إلى الشباب، بينما تظل المؤسسات التي تمتلك أدوات القرار بعيدة عن هذه العملية ،فالشباب ليسوا ملفًا قطاعيًا تتولاه وزارة بعينها، وإنما قضية وطنية تتصل بالتعليم والعمل والاقتصاد والإدارة المحلية والمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية ،ومن غير المنطقي أن نطالب الشباب بالمساهمة في بناء المستقبل، ثم نبقيهم بعيدًا عن المؤسسات التي ترسم ملامحه.

أحد المسارات التي تستحق الدراسة هو إنشاء مرصد وطني للسياسات الشبابية، يضم كفاءات شابة من مختلف المحافظات والتخصصات والخلفيات، ويعمل على دراسة مشكلات وطنية محددة، وتحليل أسبابها، وتقديم بدائل عملية بالتعاون مع الجهات الحكومية المختصة ، على أن يكون هذا المختبر أكثر من منصة للحوار ،فلكل قضية يدرسها إطار زمني واضح، وجهة حكومية مسؤولة عن متابعتها، وآلية معلنة لتقييم المقترحات، مع نشر نتائج العمل وما جرى تبنيه منها ،فالقيمة ليست في أن يجتمع الشباب حول المشكلة، بل في أن يمتلكوا فرصة للمساهمة في بناء الحل.

ومن المبادرات التي يمكن أن تنقل المشاركة إلى مستوى أكثر عملية، تخصيص جزء من موازنات البرامج الشبابية في المحافظات لمشروعات تنفيذيه يشارك الشباب في اقتراحها وترتيب أولوياتها، ضمن ضوابط مالية ورقابية واضحة ، إن إشراك الشباب في تحديد أوجه الإنفاق العام، ولو ضمن نطاق محدد، يرسخ لديهم ثقافة المسؤولية والمساءلة، ويمنحهم تجربة مباشرة في المفاضلة بين الأولويات، وإدارة الموارد، وتحويل الاحتياجات المحلية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ. كما يتيح للمؤسسات الرسمية اختبار قدرتها على الانتقال من تقديم الخدمات للشباب إلى تصميمها معهم.

لكن الاختبار الأكثر حساسية يظل في المجال السياسي ،لأن التمكين لا يكتمل بمجرد تشجيع الشباب على الانتساب إلى الأحزاب أو المشاركة في الانتخابات، ما لم تتوافر لهم فرص فعلية للمساهمة في صياغة البرامج السياسية، ومناقشة التشريعات، وتحديد الأولويات الوطنية، وتولي مواقع المسؤولية ،أن المؤسسات العامة مطالبة بفتح مسارات واضحة أمام الكفاءات الشابة، تتيح لها التدرج المهني وتولي المسؤوليات، وفق معايير معلنة تقوم على الجدارة والنزاهة وتكافؤ الفرص ،إن المطلوب اليوم ليس إحلال جيل مكان جيل، ولا اختزال الكفاءة في العمر، بل بناء علاقة مؤسسية عادلة بين الخبرة والتجديد، تتيح انتقال المعرفة، وتفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة، وتمنع احتكار الفرص تحت أي مبرر.

ولا يقل البعد الاقتصادي أهمية عن البعد السياسي ،فالشباب الذين لا يجدون طريقًا واضحًا إلى العمل والإنتاج يصعب إقناعهم بأن المشاركة العامة وحدها قادرة على تغيير واقعهم ،لذلك ينبغي أن ترتبط برامج التأهيل والتدريب باحتياجات سوق العمل الفعلية، وأن تتكامل جهود وزارة الشباب مع الجامعات والقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية، لتوسيع فرص الابتكار وريادة الأعمال، وتطوير المهارات الرقمية والمهنية، وفتح آفاق جديدة أمام المبادرات الإنتاجية ،

وفي هذا الإطار، يمكن أن تمثل الاستراتيجية الوطنية للشباب 2026–2030 فرصة لإعادة بناء فلسفة العمل الشبابي على أسس أكثر تقدمًا، شريطة ألا تتحول إلى وثيقة جديدة تضاف إلى رفوف الخطط والاستراتيجيات ،فالمطلوب أن تتضمن الاستراتيجية مؤشرات أداء تقيس الأثر الحقيقي، لا عدد الأنشطة؛ وأن تحدد مسؤوليات المؤسسات الشريكة، ومصادر التمويل، وآليات المتابعة والمساءلة، وأن تنشر نتائجها بصورة دورية أمام الرأي العام ، كما ينبغي أن تمنح المحافظات أولوية حقيقية، وأن تراعي اختلاف احتياجات الشباب وفرصهم وتحدياتهم، بدلًا من تكرار البرامج ذاتها في بيئات اجتماعية واقتصادية مختلفة ،والأهم أن ينظر إلى الشباب باعتبارهم شركاء في تصميم الاستراتيجية وتنفيذها وتقييمها، لا مجرد الفئة المستهدفة منها ،فالسياسات التي تصاغ بعيدًا عن أصحاب المصلحة قد تنجح في استكمال متطلباتها الإدارية، لكنها كثيرًا ما تفشل في ملامسة الواقع.

ومن هنا، فإن رسالتي إلى وزارة الشباب أن تتجاوز الدعوة إلى إطلاق مبادرات جديدة ،إنها دعوة إلى تغيير فلسفة العمل نفسها "من إدارة الفعاليات إلى صناعة الأثر " ومن قياس المشاركة بالحضور إلى قياسها بالتأثير، ومن التعامل مع الشباب باعتبارهم مستفيدين إلى الاعتراف بهم شركاء في المسؤولية الوطنية ، فالأردن الذي يمضي في مسار التحديث يحتاج إلى مؤسسات تمتلك الشجاعة لتجديد أدواتها، وإلى أحزاب تفتح أبوابها أمام الكفاءات الشابة، وإلى إدارات عامة ترى في طاقات الأجيال الجديدة فرصة لتطوير الأداء، لا تحديًا للمواقع القائمة.

لقد قلت إن الشباب يريدون أن نستمع إليهم، وأقول اليوم إن الاستماع الذي لا يفضي إلى التأثير يظل نصف موقف، والتمكين الذي لا يصل إلى المسؤولية يظل وعدًا مؤجلًا.

إن الشباب لا يطلبون امتيازًا خارج قواعد الدولة، بل فرصة عادلة داخل مؤسساتها ،لا يريدون أن يكونوا مجرد صورة في مشهد التحديث، بل شركاء في مضمونه ونتائجه ،عند هذه النقطة لا يعود تمكين الشباب شعارًا سياسيًا، بل يصبح ممارسة ديمقراطية، واستثمارًا في كفاءة الدولة، وخطوة ضرورية نحو أردن أكثر قدرة على التجدد والإنجاز.

مدار الساعة ـ