أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين ظنّ بطل 'السراب' أن الرواية عنه


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

حين ظنّ بطل 'السراب' أن الرواية عنه

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

ومن المفارقات اللافتة في حياة نجيب محفوظ أن التهديد بالقتل لم يكن مرتبطًا دائمًا بالجدل الديني الذي أحاط ببعض أعماله، بل حدث مرة بسبب رواية "السراب"، حين ظن رجل ثري، مستهتر، بعيد عن الأدب والقراءة، أن محفوظ قد اتخذه نموذجًا لشخصية بطل الرواية.

يروي محفوظ أن صديقًا مشتركًا بينه وبين الرجل جاءه ذات يوم، وعلى سبيل الفكاهة قال له: "عارف الرواية الأخيرة لنجيب محفوظ؟" فأجابه الرجل: "السراب". فقال له الصديق: "أيوه، دي قصتك أنت... الرواية عنك أنت".

لم يكن الرجل قد قرأ الرواية، ولا كانت له علاقة بالأدب، لكنه تلقى المزحة على محمل الجد، واقتنع بأن محفوظ كتب الرواية بقصد الإساءة إليه والتشهير به. وما إن استقر هذا الوهم في نفسه حتى تحولت الفكاهة إلى تهديد حقيقي بالقتل.

يقول محفوظ، في روايته لهذه الحادثة، إن أصدقاءه تدخلوا عندما بلغ الأمر هذه الدرجة من الخطورة، وكانت محنة حقيقية مرّ بها، رغم أن أصلها لم يكن أكثر من سوء فهم نشأ من شخص لم يقرأ الرواية أصلًا، ولم تكن لديه أدنى فكرة عن طبيعة العمل الأدبي أو عن الطريقة التي يصنع بها الروائي شخصياته.

واللافت أن محفوظ أشار إلى وجود بعض الصفات المشتركة بين الرجل والشخصية الروائية؛ فقد كان الرجل، في الواقع، عزوفًا عن النساء، ويكره والده، ويتصف ببعض الصفات التي ظهرت في الرواية. لكن هذا التشابه لا يعني، بحال، أن الشخصية الروائية هي صورة فوتوغرافية لشخص بعينه.

وهنا تكمن واحدة من أكثر القضايا إثارة في العلاقة بين الأدب والحياة: متى تكون الشخصية الروائية شخصية متخيلة، ومتى يصرّ القارئ أو الشخص الذي يرى نفسه فيها على اعتبارها نسخة منه؟

فالروائي قد يستمد ملامح شخصيته من شخص عرفه، أو من أكثر من شخص، أو من تجربة عاشها، أو من خيال محض، ثم يعيد تركيب هذه العناصر جميعًا داخل عالم الرواية. وقد تحمل الشخصية شيئًا من الواقع، لكنها لا تكون الواقع نفسه. إن الروائي لا ينقل الإنسان كما هو، وإنما يعيد خلقه وفق رؤيته الفنية والنفسية.

ولذلك فإن التشابه بين شخصية روائية وشخص حقيقي لا يكفي لإثبات أن الرواية تتحدث عنه، تمامًا كما أن وجود صفة مشتركة بين شخصين لا يجعل أحدهما نسخة من الآخر.

لكن المشكلة تبدأ حين يغيب الوعي الأدبي.

فمن لا يعرف طبيعة الرواية قد يقرأ الشخصية بوصفها اعترافًا، والحدث بوصفه واقعة، والخيال بوصفه شهادة، والتخييل بوصفه اتهامًا. وعندها يتحول النص من مساحة للتأمل إلى محكمة، ويتحول الكاتب من مبدع إلى متهم.

وهذا ما حدث مع نجيب محفوظ على نحو بالغ الدلالة: رجل لم يقرأ الرواية، لكنه غضب منها؛ لم يعرف عالمها، لكنه اتهم كاتبها؛ لم يناقش النص، لكنه هدد صاحب النص بالقتل.

إنها مفارقة تكشف مقدار المسافة التي قد تفصل بين الكاتب وما يكتب، والقارئ وما يظن أنه قرأه.

ولعل هذه الحادثة تقدم درسًا بالغ الأهمية في فهم الأدب: لا يجوز أن نحاكم الكاتب على ما نتخيله في النص قبل أن نفهم النص نفسه. فالشخصية ليست بالضرورة صاحبها، والراوي ليس المؤلف، والحدث الروائي ليس بالضرورة واقعة تاريخية، وما يقوله أحد أبطال الرواية لا يعني أن الكاتب يتبناه أو يقرّه.

إن الأدب عالم مستقل، له قوانينه وأقنعته وأصواته المتعددة، ومن يخلط بين المؤلف وشخصياته قد يقع في ظلم النص وظلم صاحبه معًا.

والأخطر من ذلك أن سوء قراءة الأدب قد لا ينتهي دائمًا عند حدود الخطأ النقدي؛ فقد يتحول، كما حدث مع محفوظ، إلى خصومة، ثم إلى تهديد، وربما إلى عنف.

وهنا تعود القضية إلى جوهرها: حين نعجز عن فهم الكتاب، قد نبدأ في محاكمة الكاتب.

لكن الكاتب لا ينبغي أن يخاف من الكتابة لأن شخصًا قد يسيء فهمها، كما لا ينبغي أن يكتب لإرضاء من قد يسيء قراءتها. فوظيفة الأدب ليست أن يقدم شهادة مبرأة من كل سوء فهم، وإنما أن يفتح أبوابًا جديدة للرؤية، وأن يضع الإنسان أمام نفسه في صور مختلفة، وأن يجعلنا نعيد النظر في ما نظنه مألوفًا ومفهومًا.

وقد يكون أعظم ما في الأدب أنه يجعلنا نرى أنفسنا في المرآة، لكن المرآة الأدبية لا تقول بالضرورة: هذا أنت؛ وإنما تقول: هذا احتمال من احتمالاتك، وهذه صورة من صور الإنسان فيك.

أما أن يتحول التشابه إلى تهمة، والخيال إلى جريمة، والرواية إلى سبب للقتل، فذلك يعني أننا لم نفهم الأدب بعد.

وربما لهذا تظل الكتابة فعلًا من أفعال الحرية؛ لأنها لا تستطيع أن تكون أسيرة للخوف من سوء الفهم، وإلا تحولت الرواية إلى تقرير، والشخصية إلى بطاقة هوية، والخيال إلى محضر تحقيق.

فالكاتب يكتب، والقارئ يقرأ، والناقد يحلل؛ أما السكين فلا مكان لها بين هذه الأدوار.

مدار الساعة ـ