أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

السابع من أكتوبر.. كيف وصل الصراع إلى هذه اللحظة المفصلية؟


موسى حتر
صحفي أردني

السابع من أكتوبر.. كيف وصل الصراع إلى هذه اللحظة المفصلية؟

موسى حتر
موسى حتر
صحفي أردني
مدار الساعة ـ

لم يأت "طوفان الأقصى" من فراغ، بل سبقته موجات من التصعيد الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية، خصوصا خلال عامي 2022 و2023 اللذين شهدا أعلى مستويات العنف في الضفة الغربية منذ سنوات، وسط تحذيرات من انفجار الأوضاع أو اندلاع "انتفاضة ثالثة".

خلال عام 2023، شهدت الضفة الغربية المحتلة واحدة من أكثر السنوات دموية. ووفق أرقام الأمم المتحدة، قتل أكثر من 200 فلسطيني في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، قبل هجوم "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، في أعلى حصيلة سنوية منذ بدأت المنظمة الدولية توثيق هذه البيانات بشكل منهجي.

كما تزايدت عمليات الجيش الإسرائيلي في مدن مثل جنين ونابلس وطولكرم، مع اقتحامات واعتقالات شبه يومية واشتباكات مسلحة متكررة.

وقاد ذلك إلى ظهور مجموعات فلسطينية مسلحة جديدة، أبرزها "عرين الأسود" في نابلس، وحظيت بتأييد وتعاطف بين الشباب الفلسطيني ونفذت هجمات ضد الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، فيما ردت إسرائيل حينها بعمليات عسكرية واسعة وحصار لمدن ومخيمات في شمال الضفة.

وتكررت مشاهد الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، ووقعت مواجهات واسعة داخل باحاته خلال شهر رمضان، بينما استمر الجدل حول حي الشيخ جراح وقضايا الإخلاء والاستيطان في القدس الشرقية.

وخلال الأشهر التي سبقت السابع من أكتوبر، صدرت تحذيرات متواصلة من الأردن ودول عربية عديدة بهذا الشأن، إذ أكد الملك عبد الله الثاني ووزير الخارجية أيمن الصفدي في عدة مناسبات أن المساس بالوضع التاريخي والقانوني للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، أو استمرار "الاستفزازات" في الأقصى والضفة الغربية، سيؤدي إلى انفجار شامل للأوضاع.

وفي ذلك الوقت، تعرضت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لانتقادات متزايدة من شرائح فلسطينية وعربية عديدة اتهمتها بالتخاذل وعدم القيام بخطوات عملية لمساندة القدس والأقصى، رغم تكرار الاقتحامات والتوترات في الحرم القدسي والتصعيد في الضفة الغربية.

ومع ازدياد المواجهات في نابلس وجنين وصعود مجموعات مثل "عرين الأسود"، برز نقاش واسع حول تراجع دور غزة في معادلة الردع مقارنة بالتوقعات التي نشأت بعد أحداث عام 2021.

لذلك جاءت تسمية الهجوم ب"طوفان الأقصى"، وأوضحت حماس أن من بين دوافع الهجوم الرد على ما وصفته بالانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى، والتصعيد في الضفة الغربية، وقضية الأسرى الفلسطينيين.

ولا يعني تناول هذه السياقات بأي حال تبرير استهداف المدنيين، سواء فلسطينيين او إسرائيليين، أو قتلهم.

وتكشف تسريبات نشرت مؤخرا في عدة وسائل اعلام (بينها رويترز وهآرتس والقناة 12 الإسرائيلية) أن الحركة كانت على اتصال غير مباشر مع إسرائيل عبر وسطاء قبل السابع من اكتوبر.

وذلك بهدف وقف التصعيد ومنح سكان غزة "حياة طبيعية"، والإفراج عن عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين مقابل الإفراج عن أربعة إسرائيليين محتجزين سابقا (مدنيان وجثمانا جنديين)، وهو ما قد يفسر، بحسب تلك الروايات، تأخر الحركة في الانتقال إلى التصعيد العسكري.

وكشف الوزير الفلسطيني السابق والخبير في الشؤون الإسرائيلية سفيان أبو زايدة في مقابلات مسجلة أنه نقل رسالة من رئيس حركة حماس في قطاع غزة آنذاك يحيى السنوار إلى الجانب الإسرائيلي قبل السابع من أكتوبر.

وبحسب ما نشر مؤخرا، فإن السنوار حذر إسرائيل من أنه إذا لم يتحقق تقدم في المفاوضات وملف الأسرى فإنه "يحضر مفاجأة كبيرة"، واستخدم كلمة "زلزال" لوصف ما هو قادم.

ووفق صحيفة هآرتس وصل هذا التحذير إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما وصلته تحذيرات في الاتجاه نفسه من الإمارات والمخابرات المصرية.

لكن نتنياهو لم يتعامل، وفق ما تكشفه الروايات والتقارير التي ظهرت مؤخرا، مع هذه التحذيرات باعتبارها مؤشرات على هجوم واسع ووشيك، في وقت كان يواجه فيه احتجاجات وانقساما داخليا غير مسبوق حول عدة ملفات.

وقع هجوم السابع من أكتوبر، ويرجح أن السنوار كان يأمل أن يشكل الهجوم واحتجاز عدد كبير من الإسرائيليين ضغطا هائلا على الحكومة الإسرائيلية بما يدفعها إلى تلبية مطالب الفلسطينيين، وذلك استنادا إلى تجارب سابقة شهدت عمليات احتجاز لعدد محدود من الإسرائيليين.

وأسفر هجوم السابع من أكتوبر غير المسبوق عن احتجاز 251 إسرائيليا ومقتل نحو 1200 آخرين خلال الهجوم، وفق الأرقام الإسرائيلية.

لكن إسرائيل ردت بقوة غير مسبوقة أدت، وفق أحدث بيانات وزارة الصحة في غزة، إلى مقتل أكثر من 74200 فلسطيني، أغلبهم من الأطفال والنساء، وإصابة أكثر من 175 ألفا منذ بدء الحرب.

وتعرضت غزة لدمار واسع النطاق خلال الحرب، إذ أشارت تقديرات أممية ودولية إلى أن ما بين 60 و70 بالمئة من المباني في القطاع تضررت أو دمرت بدرجات متفاوتة، فيما تحولت أحياء كاملة إلى ركام. كما قدرت كمية الأنقاض بعشرات ملايين الأطنان.

وباتت منظمات حقوقية وخبراء أمميون وهيئات تحقيق دولية يصفون ما جرى في غزة بأنه "إبادة جماعية"، وهو توصيف ترفضه إسرائيل.

وخلفت الحرب دمارا هائلا طال المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس، فيما حذرت الأمم المتحدة مرارا خلال الحرب من المجاعة وانتشار الجوع على نطاق واسع مع عرقلة إسرائيل وصول المساعدات الإنسانية. كما قتل أكثر من 200 صحافي وعامل إعلامي، إلى جانب أعداد كبيرة من أفراد الطواقم الطبية خلال النزاع.

رغم الثمن الإنساني الهائل للحرب، أعاد هجوم السابع من أكتوبر القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية بعد سنوات من التهميش.

فقد اتسع التعاطف العالمي مع الفلسطينيين، وازداد عدد الدول المعترفة بفلسطين، بينما تضررت صورة إسرائيل بصورة غير مسبوقة.

وشكل إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتنياهو نقطة تحول رمزية وسياسية عززت الانطباع لدى كثيرين بأن إسرائيل باتت تواجه عزلة دولية متزايدة وتراجعا في شرعيتها الأخلاقية على مستوى العالم.

لقد أثبتت عقود من الصراع أن الاحتلال والقوة العسكرية وحدهما لا يصنعان أمنا ولا يحققان سلاما.

وكما فشلت الحروب السابقة في إنهاء القضية الفلسطينية، فإن هذه الحرب لم تنجح هي الأخرى في إلغائها. فالسلام الدائم لن يتحقق إلا عندما يحصل الفلسطينيون على حقوقهم المشروعة ويقيمون دولتهم، ويشعر الطرفان بأن العدالة ليست امتيازا لطرف دون آخر.

لم يعد السابع من أكتوبر مجرد تاريخ في سجل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل لحظة مفصلية أعادت رسم معادلات المنطقة وكشفت حدود القوة العسكرية مهما بلغت.

وبعد عشرات آلاف القتلى، ومدن سويت بالأرض، وملايين البشر الذين تبدلت حياتهم إلى الأبد، يبقى الدرس الأكثر قسوة: أن تجاهل المظالم والصراع لعقود قد يؤخر الانفجار، لكنه لن يمنعه.

مدار الساعة ـ