أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أمسية الثلاثاء في 'بيت الشعر'.. فضاءات لأسئلة الإنسان (صور)

مدار الساعة,أخبار ثقافية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - إبراهيم السواعير - حين يستذكر الجمهور المتنوع في شرائحه الثقافيّة في أمسية شعريّة، ماذا قال هذا الشاعر أو ذاك، وما الموضوع الذي أثّر به في هذا الجمهور، ساعتها سيألف "الناس" قاعة القصيدة، وسيعملون على الاستفادة من أفكار المبدعين وهم يصوغون الحياة كلٌّ من منظوره الخاص ورؤيته للذات والكون، وأحسب أنّ أمسية بيت الشعر بالشارقة التي شارك فيها شاعران وشاعرة، بإدارة شاعرة، كانت تنتمي إلى الأمسيات التي تركت أثرًا وجعلت الجمهور يصفّق بصدق؛ ومن يدري فربما تألفت قلوبهم على الثيم والأفكار واستنفروا ذاتهم الساكتة عن الشعر، وباتوا يستعيدون زفراتهم الإنسانيّة شعرًا وقيمًا إنسانيّة، فيتبعهم خلقٌ كثير من محبي هذا اللون من الإبداع.

الأمسية، التي شارك فيها الشاعر السوري سليمان الجيجان، والشاعرة البحرينية سوسن دهنيم، والشاعر السعودي د.هاني الملحم، بحضور مدير بيت الشعر الشاعر محمد البريكي، وأدارت فعالياتها الإعلاميّة إيناس محمد، كانت تنقل الجمهور من رونق الغربة والإحساس ببرد الذات، إلى عالم التيه والريح الهائجة والحنين، إلى يقين القصيدة وإيمانها بصوت الحبّ وجدوى الشوق والنسيان،.. وكانت أيضًا أمسيةً خفيفة ظلّ على التلقي في قصائد محسوبة لكلّ مشارك، طموحًا نحو المزيد من تذوق الشعر، وعدم التركيز فقط على النخبة من المثقفين والكتاب والشعراء ومن سار سيرهم، بدليل أنّ كاتب السطور شاهد وتبادل أطراف الحديث مع اهتمامات شتّى من حضور كان يرفع يديه مرّةً واحدةً عند كلّ إعجاب أو وقف يستدعي هذا التصفيق الذي كان بمنزلة تحيّة للشاعرين والشاعرة لتذكيرهم لنا بجوّانيتنا وذاتنا التي كثيرًا ما نؤجلها أو هي تضيع وسط الزحام.

لا اختلاف على أنّ الشارقة ذات تأثير ثقافي، من خلال ما يقدّمه صاحب السّمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، من دعم وتيسير لكلّ أوجه التعبير الثقافي الأدبي والفني والمعرفي والفكري، وحين يضطلع بيت الشعر بدعوة ضيوف من مدارس شعريّة متنوعة، فإنّه يسهم في صناعة الذائقة الأدبيّة العامّة، من خلال القصيدة، في أمسيات أسبوعيّة منتظمة، فضلًا عن مهرجان الشارقة للشعر العربي، الذي يقام أيضًا في بيوت شعر عربيّة بادر إليها صاحب السّمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، فأطلقها منذ عشر سنوات، فهي تؤتي أكلها طوال كلّ تلك السنين، وفي سنينها القادمة إن شاء الله.

لم يعد الشعر في الواقع، ومن وجهة نظر إعلاميّة ثقافيّة، عصيًّا على الفهم أو تتبع الدلالة وتبيّن المقاصد الشعرية، فهناك نقد بات يتأطّر ويسري في عروق الجمهور، حتى لو كان من هذا الجمهور أب وعائلته جاءوا يستمعون إلى الجوّ الاحتفالي الجميل في إقامة الأمسيات، فتورطوا وباتوا يتداولون مع الشعراء وحين عودتهم الأفكار والتقنيات، والانطباع، اعتمادًا على أنّ الانطباع أوّل النقد، والطريق إلى استساغة النصّ واحترامه، بل والعمل أو التغيّر الذهني والوجداني الإيجابي من وراء قصيدة أو نصّ مؤثّر وحافز للتفكير والتوهان في أفكار لا بدّ نجد لها مخرجًا من ظلمتها إلى نور ينفتح على فضاءات أوسع من هذه الحياة.

جمعت الأمسية بين الطقس الاحتفالي في هدوء تقديم الشعراء وقراءة اهتماماتهم وسيرهم، والترحيب بإبداعاتهم من خلال مديرة القراءات التي كانت بالفعل جزءًا من النصّ القرائي، في التعقيب على مجموعة الثيم والصور الشعريّة ودفء الكلمة، وهو ما فعلته الإعلامية الزميلة إيناس محمد.

أمّا الشاعر سليمان الجيجان، فكان يصوّر مشهد الأيتام على حافّة الليل، عنوانًا لقصيدته، معاينًا عراةً ناموا "واستيقظوا يلبسون البرد والسّقما"، وفي المجال كان يكفّن معهم وجه دمعتهم بصمت، وهم "يمشون والجوع يغفو في ملامحهم"، و"الدرب ينهش في ممشاهم القدما"، ليعيش الحضور قسوة الدهر وصروفه، والطفولة التي شاخت، وبقيّة الصور المؤثرة من شاعرٍ كان ينوب عن ناسه في هذا التصوير، دون أن ينسى في قصيدةٍ تالية عنونَها"أنثى من الغيم"، أن يبوح بعطش المسافة في حناياه وغربته التي أصبحت وطنًا في أحداق هذه الأنثى، ملقيًا بمواسم الغيم والصحراء والريح والأحلام في وجوهنا لو غابت عنه هذه الأنثى، فيستمر في سراب ذكرياته، يفتش عن الندى، منفيًّا في أحلامه،.. ليصوّر أخيرًا مرحلة ما وراء اليأس؛ "إذا نامت الأحلام في صدر بائسٍ"، "أضاع حصاد العمر دون منافعِ"، متأملًا سيفًا دون أصابع، وغيثًا يتفتّح له وجه الأرض عن كلّ يانعِ.. وهكذا.

ولم تكن الشاعرة سوسن دهنيم بعيدة عن وجع مشوب بالقلق، في "مدار التيه"، عنوان قصيدتها الرائقة بآلام معرفتنا الأرض فقط حين نفترق، في حين تلعب بنا الدّنيا وتتركنا "على الطريق، فنحن الحبر والورقُ"، ولذلك كانت الشاعرة تستدعي من قاموسها الحزين عيون المرايا، أمام الحالة النمطية لمشي البحر المتمهّل وعدم اكتراثه بمن تاهوا أو غرقوا، في إشارات أكبر وصرخة احتجاع على ذات حائرة، حتى مع استعانتها بصبر أيوب، وعتابه أو التعجب منه، لتعزف بنا على "مقام الغمام" عنوان قصيدتها الثانية، أسئلتها وتعب العيون التي تعاني الظلام؛ فيما ماؤها "زيتٌ يحاول أن يضيء فيثملُ"، فثمة نداء وافتقاد لمن قُدومُهُ أشبه بحركة الغمام العجلى، وهو نداءٌ يُستشفّ من مفردات الشاعرة وقرائنها في القصيدة.

أمّا صانع البهجة الشاعر د.هاني الملحم، فقد كان يستفزّ فينا شيئًا من إحساس حين جعل الحبّ صوتًا للخلد ووردةً في الحقل و"أرضًا تظلّ على الشذا متربّعة"، بل "هو ثغر مولودٍ أحسّ بمهدهِ"، "أنّ الحياة تكون حضن المرضعة"، وهو..وهو... وهو "عكّاز حسن الناس سرّ هنائهم"، "إن ضاق صدرٌ بالتفاؤل وسَّعَهْ"، وفي ذلك تنافس المتنافسون على ترديد أبياته والوقوف على رَوِيِّهِ السّاكن، لتصل هذه المرافعة الحُبِّيَّة منتهاها في صرخته "فإذا وحدتَ الحبّ قم والحق بِهِ"، "كلّ الفضيلة أن تقوم وتتبعه"!.

وفي "حنين مؤقت" عنوان مقطوعته التالية، كان د.الملحم يعالج جمر القطيعة الذي ينهب سنواتنا التي لا نحس بذهابها إلا حين نحصي عمرنا في آخر المشوار. و"من نافذة النسيان" كان شاعرنا يرى في هذا النسيان مخففًا للآم ومعيدًا للتوازن يخطّ دربنا، وفي الخضمّ كان الوجع باديًا على وجه القصيدة التي استعانت بالنسيان في مقارنة أحوال الشاعر بين الأمس واليوم، فهو لا ينفكّ يعبث في غدِهِ الطيفُ، فغدُهُ رهين الأمس، وهو يتعجّب حتمًا من قلبه الذي ابتلي بالحبّ، في قصيدة جاءت على القنديل والنورسة والبدر الذي يؤسس حقل الضوء، ومن هذا كلّه كنّا نحتفل مع الشاعر بفؤاده الذي عاد للحب.

ومن كلّ هذا، نستنتج أنّ الشعر مؤهّلٌ وبقوّة، لأن يظلَّ في الطليعة وهو يحمل أحلامنا، وينافح عنّا، فيترك فينا أثره الخالد، لنكتسب منه خبرة المرافعة عمّا نراه مهمًّا وجديرًا جدًّا بالحظوة والاحترام.


  • Madar Al-Saa Images 0.4053684170444627
  • Madar Al-Saa Images 0.8045540688975478
  • Madar Al-Saa Images 0.7937948660248502
  • Madar Al-Saa Images 0.4242403436232457
  • Madar Al-Saa Images 0.6357054191179624
  • Madar Al-Saa Images 0.2707985832988298
مدار الساعة ـ