لأكثر من عقد، كان الحديث عن المشرق العربي يعني في الغالب الحروب والحدود المغلقة واللاجئين وانقطاع طرق التجارة. لكن ما يحدث اليوم بين الأردن وسوريا والعراق يستحق قراءة مختلفة. ليس لأن المنطقة تجاوزت أزماتها، فهي لم تفعل، بل لأن الاقتصاد بدأ يعيد رسم خطوط اتصال قطعتها السياسة والحروب لسنوات. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل يمكن أن يعود المشرق العربي، لا بصيغة سياسية جديدة، بل من بوابة الاقتصاد، عبر إعادة بناء شبكة مترابطة للتجارة والنقل والطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد؟
المؤشرات التجارية بدأت تعكس هذا التحول. فقد ارتفع التبادل التجاري بين الأردن وسوريا بصورة واضحة خلال الفترة الأخيرة، كما واصلت الصادرات الأردنية إلى العراق نموها، وأصبحت الأسواق العربية تستوعب أكثر من 40% من الصادرات الوطنية الأردنية. الأهم من الرقم نفسه هو الاتجاه الذي يكشفه: الأسواق الأقرب جغرافيًا تعود لتكتسب وزنًا أكبر في حركة الاقتصاد الأردني، بعد سنوات طويلة كانت فيها الحروب وإغلاق الحدود وعدم الاستقرار تعطل جزءًا كبيرًا من هذه العلاقات الطبيعية.لكن القصة الأهم ليست في حجم الصادرات وحده. المشرق الذي يمكن أن يتشكل اقتصاديًا لن يقوم على بيع البضائع بين ثلاث أو أربع دول، بل على إعادة بناء شبكة الحركة بينها. العراق يحتاج إلى تنويع منافذه التجارية، وسوريا تحتاج إلى إعادة بناء اقتصادها وبنيتها التحتية واستعادة دورها كحلقة وصل مع المتوسط وتركيا، فيما يمتلك الأردن ميزة مختلفة: ميناء العقبة جنوبًا، حدودًا مباشرة مع العراق وسوريا، واتصالًا بريًا بالسعودية والخليج. وهذا يضعه جغرافيًا في نقطة تقاطع بين البحر الأحمر والخليج والمشرق وشرق المتوسط.وقد ظهرت قيمة هذه الجغرافيا عمليًا خلال اضطرابات مضيق هرمز. فقد ارتفعت حركة بضائع الترانزيت عبر ميناء العقبة في النصف الأول من 2026 بنسبة 155% تقريبًا مقارنة بالفترة نفسها من 2025، وكان جزء رئيسي من هذه الحركة متجهًا إلى العراق. وفي الوقت نفسه، بدأ العراق باستخدام سوريا ممرًا بديلًا لبعض وارداته من الوقود عبر ميناء بانياس. المعنى الاستراتيجي هنا واضح: عندما تتعطل الممرات التقليدية، تصبح قيمة الدول التي تمتلك طرقًا بديلة أكبر بكثير من حجم أسواقها المحلية.وهنا تحديدًا تتغير طريقة النظر إلى الأردن. ميزته ليست أن يتحول إلى سوق ضخم، فهذا لا يتناسب مع حجمه السكاني والاقتصادي، وإنما أن يتحول إلى عقدة في شبكة اقتصادية أكبر. البضاعة التي تصل العقبة ويمكن أن تتحرك بكفاءة نحو العراق أو سوريا، ثم إلى تركيا والمتوسط، تعطي للموقع الأردني قيمة مختلفة. وكذلك الأمر بالنسبة للطاقة والكهرباء والسكك الحديدية والمناطق اللوجستية. وقد بدأت ملامح ذلك بالفعل في مشروع المدينة الاقتصادية الأردنية العراقية المشتركة، وفي مشاريع الربط الكهربائي، وفي التوجه لتوسيع شبكة السكك الحديدية مستقبلًا بحيث تصبح جزءًا من شبكة إقليمية تتجاوز الحدود الأردنية.لكن عودة المشرق اقتصاديًا ليست أمرًا تلقائيًا. فتح الحدود وحده لا يصنع تكاملًا، وزيادة عدد الشاحنات لا تصنع ممرًا اقتصاديًا. الممر الحقيقي يحتاج إلى زمن عبور تنافسي، وإجراءات جمركية متناسقة، وبنية نقل قادرة على استيعاب الأحجام المتزايدة، وأنظمة دفع وتأمين وتمويل، وتشريعات تسمح لرأس المال بالتحرك، والأهم استقرارًا سياسيًا وأمنيًا يجعل المستثمر قادرًا على حساب المخاطر لعشر سنوات وليس لعشرة أيام. هنا يقع الفرق بين طريق تمر عليه الشاحنات وبين ممر اقتصادي تتجمع حوله المصانع والمستودعات والاستثمارات والخدمات.وهناك بعد آخر أكثر أهمية: إعادة إعمار سوريا. النظر إليها باعتبارها سوقًا لبيع الإسمنت والحديد والمواد الغذائية فقط سيكون قراءة قصيرة المدى. إعادة بناء اقتصاد بحجم سوريا ستحتاج لاحقًا إلى مقاولين ومهندسين ومصارف وتأمين ونقل وطاقة وخدمات قانونية واستشارية وسلاسل توريد وتمويل للمشاريع. وهذا يعني أن القيمة الأكبر لن تكون دائمًا في السلعة التي تعبر الحدود، بل في الخدمات ورأس المال والخبرة التي تتحرك معها. ارتفاع الصادرات الأردنية إلى سوريا اليوم قد يكون المرحلة الأولى فقط من علاقة اقتصادية أكثر تعقيدًا إذا استقر مسار التعافي السوري.القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذا الترابط تبدأ عندما تنتقل دول المشرق من تبادل السلع إلى تكامل عناصر الإنتاج. فالميناء في دولة يمكن أن يخدم الصناعة في دولة أخرى، وشبكة الكهرباء يمكن أن تخفض كلفة الطاقة عبر الحدود، والطريق والسكك الحديدية يمكن أن يوسعا السوق أمام المصنع، فيما تتيح المناطق الصناعية واللوجستية المشتركة توزيع مراحل الإنتاج وفق الكلفة والميزة النسبية لكل اقتصاد. عندها يصبح نمو التجارة نتيجة لمنظومة أوسع تشمل الاستثمار والإنتاج والنقل والطاقة والتمويل، وليس مجرد ارتفاع مؤقت في حركة الصادرات والواردات.بالنسبة للأردن، تكمن الفرصة الاقتصادية في أن يكون جزءًا مركزيًا من هذه المنظومة المتكاملة: العقبة بوابة بحرية، وشبكات النقل واللوجستيات حلقة وصل، والصناعة والخدمات المهنية والمالية والقانونية مكونات للقيمة المضافة، والربط الكهربائي والمشاريع المشتركة أدوات لخفض الكلفة وتوسيع السوق. وكلما ارتبط الاقتصاد الأردني بصورة أعمق بأسواق العراق وسوريا والخليج، اتسعت أمام الشركات الأردنية قاعدة الطلب والاستثمار خارج حدود السوق المحلي. التكامل الاقتصادي في المشرق لا يعني إلغاء الحدود، بل جعل الحدود أقل كلفة على التجارة والاستثمار والإنتاج، وتحويل الجوار الجغرافي من واقع سياسي إلى قيمة اقتصادية مشتركة.أما التنفيذ أردنيًا، فيحتاج إلى تحويل هذه الميزة إلى برنامج اقتصادي محدد المشاريع والجداول الزمنية: تسريع الربط البري والسككي من العقبة باتجاه الحدود العراقية والسورية، تطوير المراكز اللوجستية والتخزين، تقليص زمن وكلفة عبور البضائع، توسيع الربط الكهربائي، دفع المدينة الاقتصادية الأردنية العراقية إلى مرحلة الاستثمار الفعلي، وبناء حزمة متخصصة للشركات الأردنية الراغبة في دخول السوق السورية والمشاركة في إعادة الإعمار. المطلوب أن يتحرك النقل والطاقة والصناعة والاستثمار والجمارك والقطاع الخاص ضمن مسار اقتصادي واحد. فالموقع الجغرافي يمنح الأردن الفرصة، لكن سرعة تحويل هذا الموقع إلى مشاريع وتجارة واستثمارات وفرص عمل هي التي تحدد حصته من اقتصاد المشرق الذي يعاد تشكيله.هل يعود المشرق العربي من بوابة الاقتصاد؟
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ