أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

لا يدخل علينا من لم يكن مهندسا.. ماذا كان أفلاطون يقصد؟


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

لا يدخل علينا من لم يكن مهندسا.. ماذا كان أفلاطون يقصد؟

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

لماذا يشترط فيلسوف يبحث في العدل والحق أن يكون طالبه مهندساً؟ تقول الرواية إن أفلاطون نقش على باب أكاديميته في أثينا، نحو عام 387 ق.م، عبارة معناها: «لا يدخل علينا من لم يكن مهندساً». وللأمانة التاريخية، لم تَرِد العبارة في حواراته، وإنما نقلها كتّاب جاؤوا بعده بقرون. غير أن صحتها الحرفية أقلّ شأناً من صحتها الفكرية، فهي تلخّص روح المدرسة التي أسسها، وتكشف ما عدّه شرطاً أول لكل من أراد أن يفكر تفكيراً جاداً. والكلمة اليونانية الأصلية (geometria) تعني علم الأشكال والنِّسب والبرهان، لا الهندسة بمعناها المهني الذي نعرفه اليوم. فقد دلّت عند العلماء الأوائل على علم المقادير والأشكال، ثم اتسع معناها شيئاً فشيئاً حتى صرنا نقول: كل شيء يمكن هندسته. فالمقصود إذن عقلٌ مدرَّب على الدقة، لا صاحب صنعة.

ولفهم سبب اختيار الهندسة دون غيرها، ينبغي أن نتذكر أن أفلاطون رأى فيها الجسر الذي ينتقل به الإنسان من عالم المحسوس إلى عالم المعقول. فحين ترسم دائرة على الرمل تجدها سريعة الزوال، ومع ذلك فإنك إذا برهنت على خاصية من خواصها فأنت لا تتحدث عن هذا الرسم الهش، بل عن دائرة كاملة لا وجود لها في الحس. أنت تفكر في كيان لا تراه، وتبلغ يقيناً لا تمنحه لك العين. وهذه أول تجربة يكتشف فيها العقل أن في الوجود ما هو أصدق من المحسوس وأثبت منه. ومن هنا كانت الهندسة عنده تمريناً للروح قبل أن تكون معرفة، فهي تعلّم العقل أن يتحرر من أسر الأشياء المتغيرة ويألف الثابت والكلي، وهو التحرر الذي رمز إليه في «أسطورة الكهف» بالخروج من عالم الظلال إلى ضوء الشمس. ومن لم يتدرب على هذا الخروج في أبسط صوره، فكيف يصعد إلى معاني العدل والحق والمهنية العالية؟

على أن للهندسة وجهاً آخر لا يقل أهمية، هو وجهها الأخلاقي. فهي علم لا يعرف المجاملة: يبدأ من فرضيات واضحة، ويمضي بخطوات متماسكة، ولا يقبل نتيجة بغير برهان. لا ينفع فيها خطيب بارع ولا تشفع شهرة أو جاه، فالحجة وحدها صاحبة السلطان. وقد كانت أثينا في زمن أفلاطون غارقة في بلاغة السفسطائيين الذين يجعلون الحجة الضعيفة قوية بحسن العرض، وهي المدينة نفسها التي أعدمت سقراط بحكم صدر عن جمهور تحركه العاطفة وهوى اللحظة. وما أشبه ذلك بما يحدث اليوم حين يوجّه بعض المتنفذين حملات الاغتيال المعنوي ضد من يخالفونهم في المبادئ والتوجهات. فجاء أفلاطون ليقيم مؤسسة على النقيض من ذلك، مكاناً يُوزن فيه الكلام بميزان الاستدلال لا بميزان التصفيق. ولهذا لم يكن النقش على الباب شرط معرفة بقدر ما كان شرط طبع، فكأنه يقول: «لا يدخل من يخلط بين الإقناع والبرهان، ولا من يطلب الحقيقة على قدر هواه».

ثم إن الأمر يتجاوز تربية العقل إلى معنى إستراتيجي عميق. فأفلاطون لم يؤسس الأكاديمية ليخرّج علماء منعزلين في أبراجهم، بل ليعدّ من يصلحون لقيادة شؤون المدينة. وتقوم مدينته على فكرة أن العدالة تناسب: لكل قوة موضعها، ولكل فئة وظيفتها، وفساد المدينة اختلال في النِّسب، كما يختل البناء حين تضطرب أبعاده. وعلى هذا يجب أن يكون القائد الاستراتيجي مهندساً في جوهره، لا في شهادته، يرى البنية القائمة تحت ضجيج الأحداث، ويفكر بالعلاقات لا بالعناصر المعزولة، فيقيس كل قرار بأثره في المنظومة المؤسسية كلها. وهو ينطلق من مسلّمات صريحة بدل الانطباعات المتقلبة، ويقرأ الأرقام قراءة متصلة فيرى فيها اتجاهاً لا أرقاماً مبعثرة، ويميّز الجوهري من العرضي.

وفوق ذلك كله يخضع للبرهان إذا هدمت الوقائع خطته، فيغيّرها ولا يتمسك بها عناداً. وهذه الفضيلة أندر ما توجد عند أصحاب القرار، لأن أخطر ما يصيب المؤسسات أن يتولى أمرها من يحكم بالشعار والانفعال والمصلحة العاجلة، فهؤلاء يرون في الحقيقة خصماً إذا خالفت رغبتهم. أما من تربّى على البرهان فقد اعتاد أن يخضع للحجة وإن آلمته، وأن يقدّم ما يثبت على ما يُرضي، وهذه العادة هي الحاجز الأخير بين السلطة والاستبداد بالرأي.

فإذا انتقلنا من المبدأ إلى الواقع، وتخيّلنا أفلاطون بيننا اليوم يطوف بمكاتبنا ومواقع عملنا، فماذا كان سيرى؟ ونقول ذلك ونحن من أبناء المهنة، نعتز بها ونعرف فضلها، ونعلم أن ميادينها تزخر بمبدعين ومخلصين يصنعون إنجازاتها كل يوم. لكننا نعلم أيضاً، ولا يضيرنا الاعتراف، أن بعض من بلغوا مواقع القيادة من أصحاب اللقب غابت عنهم أبسط لغات الهندسة، وهي لغة الأرقام. فهم لا يربطون الأرقام بعضها ببعض، ولا يقرؤون تسلسلها ولا يستنطقون دلالتها، فتبدو لهم كلمات متناثرة لا نسق بينها، وهي في حقيقتها سردٌ متصل يروي حال المشروع ويُنبئ بمآله، فالرقم في الهندسة ليس زينة تُلحق بالتقرير، بل هو الحجة نفسها، ومن لم يُحسن قراءته لم يُحسن قراره. وليس في هذا انتقاص من المهنة، بل هو دفاع عنها، فحماية المهنة تبدأ من صون معناها. إذ الهندسة التي عناها أفلاطون ليست شهادة تُنال ولا مسمّى يُكتب على بطاقة، ولا أصحاب مهنة بعينها، بل أسلوب في التفكير يُبنى ببطء: يبدأ بالشك المنهجي، ويمرّ بالتحقق، ويستقر على البرهان، ثم يُصان بالتواضع أمام الخطأ.

وأوضح ما يظهر هذا الغياب في طريقة صنع القرار داخل بعض مؤسساتنا، ففي بعض الحالات يتصدر الإدارة حملة شهادات الهندسة، ومع ذلك تُدار المؤسسة بلا عقل هندسي. تُتخذ القرارات قبل أن تُدرس بياناتها، ثم تُطلب الأرقام لتبرير ما قُرر سلفاً. وتُطلق بعض المشاريع بلا دراسة جدوى صادقة ولا تحديد للمخاطر، وتُقاس بما أُنفق عليها لا بما حققته. وتتبدل الهياكل التنظيمية عند تغير الإدارات، فتختل النِّسب بين الصلاحيات والمسؤوليات، وتتداخل الاختصاصات حتى لا يعرف أحد من المحاسَب عن ماذا. ويُعالَج العَرَض ويُهمل السبب، فتتكرر الأزمة نفسها بأسماء مختلفة، ويُلام الأفراد ولا يُراجَع النظام الذي أنتج الخلل. وتغيب حلقة التغذية الراجعة، فلا تُراجع القرارات بعد تنفيذها ولا يُتعلَّم من الأخطاء، ويُنظر إلى من يعرض الوقائع المخالفة بوصفه معارضاً لا شريكاً في الإصلاح. والمعيار في كل ذلك ثلاثة أسئلة: أيّ فرضيات انطلق منها القرار؟ وأيّ أرقام استند إليها؟ وأيّ معيار سيحكم عليه؟ فمن لم يُجب عنها فهو يدير بالانطباع مهما كان لقبه، ومن أجاب عنها فهو المهندس الذي قصده افلاطون بحق ولو لم يحمل شهادة.

وما أحوجنا إلى هذه الرسالة اليوم. نعيش عصراً تفيض فيه المعلومات ويشحّ فيه البرهان، وتتكاثر الآراء السريعة والاستنتاجات المعلّبة، وتتنافس القيادات على مخاطبة الغرائز لا العقول. وتذكّرنا العبارة المنقوشة على باب الأكاديمية بأن كثرة المعرفة لا تغني عن انضباط التفكير، وأن من لا يملك أدوات الدقة لن يحسن توظيف ما يعلم. وليس المقصود أن يصبح كل إنسان رياضياً، بل أن يتسلح كل من يتصدى للشأن العام، أو لمصير مؤسسة، أو لتوجيه فكر الناس، بعقلية المهندس: يحدد فرضياته، ويفحص الروابط بينها، ويتحقق من نتائجه، ويرفض ما لا دليل عليه.

وهذه الفضيلة الأخيرة أندر ما يوجد عند بعض أصحاب النفوذ. وعند اسقاط ما رأه افلاطون على الواقع نجد أن أخطر ما يصيب المؤسسات أن يتولى أمرها من يحكم بالشعار والانفعال والمصلحة العاجلة، لأن هؤلاء يرون في الحقيقة خصماً إذا خالفت رغبتهم. أما من تربّى على البرهان فقد اعتاد أن يخضع للحجة وإن آلمته، وأن يقدّم ما يثبت على ما يُرضي، وهذه العادة هي الحاجز الأخير بين السلطة والاستبداد بالرأي.

وهكذا نفهم أن أفلاطون لم يغلق بابه في وجه أحد لقلة علمه، وإنما أراد أساساً صلباً لما سيُبنى خلفه، فمن دخل بلا هذا الأساس بنى على الرمل، كالدائرة التي تُرسم على الشاطئ ثم يمحوها الموج. ولذلك جعل أول ما يلقاه الداخل سؤالاً عن عقله قبل أي شيء آخر: هل أنت مستعد أن يحاسبك البرهان؟ ومن أجاب بنعم فقد دخل، حتى لو لم يكن يعرف مسألة هندسية واحدة.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ