أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الشريفة نور بنت علي تكتب: الدبلوماسية الرقمية والسيبرانية في الأردن: رؤية مبكرة وفرص ننتظر اغتنامها.. رسالة شكر للعميد المتقاعد طلال البواعنة

مدار الساعة,أخبار الأردن,اخبار الاردن,الملك عبدالله الثاني
مدار الساعة ـ
حجم الخط
رغم التوجيهات والرؤية الاستباقية الواضحة لسيدي صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبدالله، والتي كانت دائماً تسبق الزمن وتضع الأردن على خارطة الابتكار العالمي، إلا أن الإرادة التنفيذية في بعض المفاصل لم تواكب هذا الطموح
غياب التطبيق الفعلي والمأسسة أدى للأسف إلى ضياع فرص ثمينة، حيث رأينا كيف اتجهت التمويلات الضخمة، والصناديق الاستثمارية، والدعم التقني إلى دول ومراكز أخرى في المنطقة، بينما كنا نحن في الأردن نمتلك الكفاءات، الرؤية، والمبادرات المبكرة لاحتضان وقيادة هذه المنظومة

مدار الساعة - كتبت: الشريفة نور بنت علي -

أثارت المقالات الأخيرة التي خطها الباحث، العميد المتقاعد والمحامي الأستاذ طلال البواعنة، شجوناً مهنية وذكريات لمسيرة خضتها في أروقة العمل الدبلوماسي الأردني. إن دعوته الحصيفة لتعيين "سفير للتكنولوجيا"، وتسليطه الضوء على التحديات والبنية التحتية اللازمة لبناء "نموذج سيادي للذكاء الاصطناعي"، ليست مجرد طروحات نظرية عابرة، بل هي صميم الأمن الوطني والاقتصادي الحديث. ولهذا، أجد لزاماً عليّ أن أوجه له تحية تقدير واعتزاز على هذا الفهم المتقدم والعميق الذي لا يصدر إلا عن شخصية عسكرية وقانونية فذة، تدرك تماماً متطلبات المرحلة وحساسية الأمن القومي ببُعده الرقمي.

لقد أعادتني قراءة هذه السطور إلى عام 2012، وهو العام الذي بدأتُ فيه العمل والمطالبة الحثيثة بتبني هذا المفهوم الدقيق؛ "الدبلوماسية الرقمية والسيبرانية". على مدار ستة عشر عاماً من مسيرتي الدبلوماسية، كان شغفي وهدفي الأسمى هو مأسسة هذا القطاع. لقد عملت جاهداً على ملفات دبلوماسية معقدة تتطلب تركيزاً استثنائياً، ودافعت بشراسة عن ضرورة استحداث مناصب لسفراء ومبعوثين متخصصين في التكنولوجيا، يجمعون بين فهم تعقيدات الأمن السيبراني، حماية البيانات، وجلب الاستثمارات التقنية والتجارية لدعم الاقتصاد الوطني.

إنني أنظر إلى تلك المسيرة اليوم بفخر واعتزاز؛ فقد استطعتُ خلالها تحريك بعض الملفات الحيوية، وتأسيس أطر عمل متقدمة في الأمن الرقمي الدبلوماسي العربي، وحماية بعض المكتسبات الوطنية في هذا المضمار. ولكن، ورغم كل تلك الجهود، لا يخلو الأمر من غصة.

فرغم التوجيهات والرؤية الاستباقية الواضحة لسيدي صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني أطال الله بعمره، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبدالله، والتي كانت دائماً تسبق الزمن وتضع الأردن على خارطة الابتكار العالمي، إلا أن الإرادة التنفيذية في بعض المفاصل لم تواكب هذا الطموح. غياب التطبيق الفعلي والمأسسة أدى للأسف إلى ضياع فرص ثمينة، حيث رأينا كيف اتجهت التمويلات الضخمة، والصناديق الاستثمارية، والدعم التقني إلى دول ومراكز أخرى في المنطقة، بينما كنا نحن في الأردن نمتلك الكفاءات، الرؤية، والمبادرات المبكرة لاحتضان وقيادة هذه المنظومة.

لنتخيل معاً.. ماذا لو تم تطبيق هذه الرؤية منذ بداياتها؟ ماذا لو كان لدينا سفراء مخصصون ومفوضون، ليس فقط للتكنولوجيا، بل لكل ملف من ملفاتنا الدولية الحرجة التي تمس صلب الأمن الوطني، الاقتصاد، وتوفير فرص العمل؟

تخيلوا لو أن لدينا فرقاً دبلوماسية متخصصة ومسؤولة مباشرة، وتخضع للمساءلة والشفافية أمام الشعب الأردني؛ فرقاً متخصصة في المياه، والطاقة، والأمن السيبراني، والتغير المناخي، وسلاسل التوريد الغذائية.. فرقاً تعمل ليل نهار على استقطاب التقنيات، وتأمين هذه الموارد الاستراتيجية، وجذب الاستثمارات النوعية، وحماية الفضاء السيبراني الأردني. لو حدث ذلك، لكنا اليوم أمام واقع مؤسسي صلب، ولكان الأردن اليوم منصة إقليمية لا تُنافس، تجني ثمار دبلوماسية متخصصة وموجهة تخدم المواطن في رزقه وأمنه ومستقبله.

ورغم التحديات وما فات من فرص، إلا أن رسالتي اليوم، وكما أثبتت مقالات الأستاذ البواعنة، هي رسالة أمل ويقين بأن الوقت لم يفت أبداً. فالبيئة الحاضنة (Ecosystem) في الأردن، بما تمتلكه من عقول شابة وبنية تقنية ومؤسسية، لا تزال قادرة بقوة على احتضان هذا التحول التكنولوجي السيادي والبناء عليه لتحقيق قفزات نوعية.

ومن هذا المنطلق، ولأن الرؤية الاستراتيجية تتطلب مأسسة فاعلة، فقد كان الهدف المنهجي الذي سعيتُ إليه طويلاً هو تأسيس مركز للبحث والتدريب والتطوير (RT&D) قائم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، ليُعنى تحديداً بتمكين الأمن الرقمي الدبلوماسي. هذا المسعى هو ما وجه بوصلتي للتعمق في البحث الأكاديمي والتطبيقي لتصميم أطر متقدمة تخدم هذا التوجه.

وهذا تحديداً هو الخندق الذي أقف فيه اليوم؛ ففي مسيرتي وموقعي الجديد، أكرس كل جهدي لتأسيس هذا المسار وترجمة تلك الأبحاث إلى مبادرات مبتكرة لتمكين الأمن الرقمي والدبلوماسي، جنباً إلى جنب مع نخبة من العقول الأردنية والزملاء الذين يشاركونني ذات الفكر والرؤية.. كفاءات وشباب هم بحق غيورون على وطنهم، وأمتهم، وإنسانيتهم.

معاً، وبالبناء على هذا الفكر النيّر الذي تطرحه القامات الوطنية، سنتمكن من التقاط اللحظة التاريخية، وترجمة الرؤى الملكية السامية إلى واقع ملموس، لنبني الأردن الرقمي والسيادي الذي نستحقه جميعاً.


مدار الساعة ـ