كمْ نشتاقُ إلى عصرِ الأجدادِ؟ تلك البساطةُ والعفويةُ التي تحملُ في طيَّاتِها حبَّ الخيرِ للغيرِ، والتسابقَ إلى العملِ الصالحِ، ونفعَ الآخرينَ وتقديمَ المساعدةِ لهم. لقد كانت مساعدةُ الآخرينَ وسامًا يُعلَّقُ على صدرِ مقدِّمِها، وتبعثُ في نفسِه الفخرَ والاحترامَ والمكانةَ، في حينِ أنَّ المفاهيمَ تبدَّلتْ، وأضحتِ الحياةُ غابةً يسعى كلُّ فردٍ إلى أن يستفيدَ من الآخرينَ بالجَحدِ والنكرانِ، مستغفِلًا الطرفَ الآخرَ، مسترقًا فضلَه، متناسيًا قوله تعالى: «وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ».
حياتُنا اليومَ مجرَّدةٌ من المشاعرِ، غابةٌ خضراءُ قاحلةٌ؛ القويُّ يأكلُ الضعيفَ، حقيقيًّا ومجازيًّا. كلُّنا يدَّعي الفضيلةَ، وجميعُنا يفتقرُ إليها. ننهشُ بعضَنا بعضًا؛ الأخُّ يتخاصمُ مع أخيهِ، والجارُ مع جارِه، والصديقُ مع صديقِه، والانسباء وزملاء العمل،وكلُّنا يفتقرُ إلى الفضيلةِ، حتى تلوَّثتْ حياتُنا، مما شقَّ طريقَ قنواتِ الكراهيةِ والعداوةِ والبغضاءِ، وسمحَ لها بالجريانِ في علاقاتِنا اليوميةِ. نتنافسُ في كلِّ معتركاتِ الحياةِ بطرقٍ غيرِ شريفةٍ، ولا احترامَ متبادلًا إلا من أجلِ مصالحَ زائلةٍ.هل ذلك ضريبةُ التقدُّمِ التكنولوجيِّ التي يدفعُها الإنسانُ؟ أم هل ذلك نتيجةُ تدهورِ الموروثِ الإسلاميِّ في النفوسِ، مما بدَّلَ المفاهيمَ والقيمَ؟ أصبحتِ الطيبةُ غباءً، والسلامُ على الآخرينَ ضعفًا، والتفاني في العملِ في وقتهِ المناسبِ تشويشًا وإزعاجًا. أصبح التقييمُ للأمورِ تبعًا لمنطوقِها؛ فإذا كان الكلامُ من الشرفاءِ يأخذُ قيمةً عظمى ولو كان خاطئًا، أما إن كان الكلامُ من أهلِ البروليتاريا، فلا يُنظرُ إلى قيمتِه ولو كان يزنُ الجبالَ رجاحةً.إننا بتجرُّدِنا من إنسانيتِنا وانسلاخِنا عن منظومةِ القيمِ والأخلاقِ أفسدنا متعتَنا في هذهِ الحياةِ وأصعبناها علينا، فكما يقولُ الشاعرُ:نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا وما لزمانِنا عيبٌ سواناونهجو ذا الزمانَ بغيرِ علمٍ ولو نطقَ الزمانُ لنا هجانا.وكذلك قال بعضُ البلغاءِ، مما وردَ في كتاب «أدب الدنيا والدين» للماوردي: «إن الدنيا لا تصفو لشارب، ولا تفي لصاحب، ولا تخلو من فتنة ولا تخلي من محنة، فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك، واستبدل بها قبل أن تستبدل بك، فإن نعيمها يتنقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى، وتبعاتها تبقى».لقد فتنتنا هذهِ الدنيا وسلبتْ منا خيريَّتَنا، وبتنا ننهشُ بعضَنا بعضًا، ونزعتْ منا الرحمةَ، فلم نعدْ نتراحمُ بيننا، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». إن أفعالَنا تجاهَ بعضِنا قادتنا وقادتْ حياتَنا إلى مصيرٍ مظلمٍ، فالتغييرُ بأيدينا؛ بالتراحمِ والتعاطفِ والتعاضدِ والاحترامِ وحبِّ الخيرِ للغيرِ ونبذِ الكراهيةِ. فإذا ما اجتمعتْ هذهِ الخصالُ بقومٍ أكسبتهمُ الخيريَّةَ، وحلَّتْ رحمةُ اللهِ عليهم.حين فقدنا إنسانيتنا.. هل نشتاق إلى زمن الأجداد؟
مدار الساعة ـ