أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

خفّضنا الفاقد عشر نقاط… فكم متراً مكعباً عاد إلى الناس؟


أ.د. نورس شطناوي

خفّضنا الفاقد عشر نقاط… فكم متراً مكعباً عاد إلى الناس؟

مدار الساعة ـ

للماء في البيت الأردني موعد يرقبه الجميع، ولانتظاره حكاية...حيث يعرف الناس يوم الضخ، ويحفظون صوت وصول المياه إلى الخزانات، ويعيدون ترتيب احتياجاتهم حين يتأخر الدور أو يضعف الضغط. وفي حساب الأسرة، تُقاس قيمة التحسن بطمأنينة بسيطة: أن يكفي الماء، وأن يصل في موعده، وألّا تصبح فاتورة (التنك) الصهريج بنداً إضافياً يزاحم بقية ضروريات الحياة.

من هنا، يكتسب إعلان وزير المياه والري عن خفض الفاقد المائي عشر نقاط مئوية خلال أربع سنوات أهمية تتجاوز الخبر العابر. فالأردن يحتاج إلى كل تقدم يحفظ موارده، ويخفف الضغط على شبكاته، ويعزز قدرته على مواجهة الندرة. وقد سبق أن أعلنت الوزارة، وفق ما نقلته وكالة الانباء الأردنية (بترا) في آب، انخفاض الفاقد بمقدار 10.7 نقطة مئوية مقارنة بعام 2022، وصولاً إلى 41 بالمئة. وهي نتيجة تستحق التقدير، كما تستحق أن يعرف المواطن تفاصيل أثرها.

وراء هذا التقدم مهندسون وفنيون وفرق ميدانية، وعمل قد يجري في ساعات لا يراه فيها أحد. ومن الإنصاف أن يُعطى هؤلاء حقهم، وأن يتحول جهدهم إلى قصة واضحة بالأرقام والنتائج. فحين نسأل: كم متراً مكعباً عاد إلى الناس؟ فإننا نبحث عن المعنى الملموس للإنجاز، وعن المسافة التي قطعناها، وتلك التي ما زالت أمامنا.

غير أن الإجابة تبدأ بتوضيح مسألة تغيب أحياناً عن النقاش العام: الفاقد المائي ليس كله مياهاً تتسرب من أنبوب مكسور. فالمياه غير المدرة للإيراد تشمل تسرباً فعلياً، واستهلاكاً غير مشروع، وأخطاء في العدادات والقياس، واستهلاكاً مصرحاً به لا تصدر عنه فواتير. وإصلاح التسرب يوفر مياهاً يمكن إعادة توجيهها، بينما تصحيح قراءة عداد يحسن احتساب الاستهلاك والإيرادات، من دون أن يعني بالضرورة إضافة كمية مماثلة إلى الشبكة. ولكل إجراء قيمته، لكن توضيح الفرق ضروري لفهم النتيجة.

ولهذا، فإن انخفاض النسبة وحده لا يكفي لحساب كمية المياه المستردة فعلياً. نحتاج إلى معرفة حجم الضخ في فترتي المقارنة، ومقدار التسرب الذي توقف، وحصة التحسن الناتجة عن ضبط القياس والاستهلاك. هذه التفاصيل تمنح الرقم وزنه الحقيقي، وتتيح للدولة أن تقول بثقة أين نجحت، وأين ينبغي أن تركز جهودها المقبلة.

والمطلوب، في تقديري، كشف حساب مائي دوري، مبسط ومتاح للناس: كم دخل الشبكة؟ وكم فُقد منها؟ وكم استُعيد؟ وما كلفة استرداده؟ ثم كيف استُخدمت المياه التي وفرناها؟ فقد تسهم في تحسين التزويد، أو تلبية طلب متزايد، أو تقليل الحاجة إلى الضخ. ولكل نتيجة فائدة تستحق أن تُشرح، حتى لا يُترك المواطن ليستنتج وحده العلاقة بين الخبر الذي يسمعه والخدمة التي تصله.

ثم إن للمياه جغرافيا لا تختصرها نسبة وطنية واحدة. فقد يتحسن التزويد في منطقة، فيما تبقى أخرى تعاني ضعف الضغط أو تأخر الدور. لذلك، أقترح نشر مؤشرات على مستوى مناطق الخدمة، تكشف انتظام التزويد، وزمن إصلاح الكسور، وتكرار الشكاوى. فالحي الذي يتكرر فيه الانقطاع يحتاج إلى موقع واضح على خريطة الأولويات، وإلى موعد لمعالجة مشكلته يستطيع أهله متابعته.

وهنا تظهر قيمة التكنولوجيا التي نتحدث عنها كثيراً. حيث يمكن لربط بيانات الضغط والتدفق وبلاغات المواطنين وسجلات الصيانة ضمن خريطة تشغيلية واحدة أن يساعد على اكتشاف الخلل وتوجيه الفرق إلى المواقع الأشد حاجة. لكن الحكم على هذه المنظومة ينبغي أن يبقى مرتبطاً بما تحققه: تسرب يُكتشف مبكراً، وكسر يُصلح أسرع، ومياه تُحفظ، وخدمة تستقر.

وفي الجهة المقابلة، يحتاج خطاب الترشيد إلى ما يسنده في الشارع. حين يرى المواطن أن بلاغه يُتابع، وأن المياه المتدفقة على الطريق لا تُترك، وأن الاعتداء على الشبكة يُواجه، تزداد ثقته وجدّيته في حماية حصته وحصة غيره. فالمسؤولية المشتركة تقوى حين يشعر الجميع أن الجهد متبادل، وأن ما يوفرونه في بيوتهم يجد ما يصونه خارجها.

خفض الفاقد عشر نقاط خطوة مهمة في طريق طويل. وتكتمل قيمتها حين نستطيع ترجمتها إلى مياه محفوظة، وكلفة أقل، وخدمة أكثر انتظاماً. ولعل أجمل ما يمكن أن يرافق الإعلان المقبل أن يعرف المواطن، وهو يقرأه، نصيب حياته من هذا التحسن؛ فنجاح قطاع المياه يبلغ معناه الأوضح حين يصل أثره إلى آخر بيت ينتظر دوره.

مدار الساعة ـ