مدار الساعة -على أطراف القارة القطبية الجنوبية، وتحت تضاريسها الثلجية القاسية، تقبع إحدى أكثر الجزر غرابة واستثنائية في العالم، تدعى «جزيرة ديسبشن».
لا يقتصر تفرد هذه الجزيرة على كونها فوهة بركانية عملاقة نشطة غمرتها مياه المحيط لتشكل ميناءً طبيعياً، بل لأنها تحتضن في قاعها الساخن بقايا عصر صناعي طوته السنون، وهياكل صدئة لمحطات صيد الحيتان، إلى جانب أكبر مقبرة بشرية مدفونة في أقصى جنوب الأرض.عبور خطير إلى أهدأ الموانئتبدأ الرحلة إلى قلب الجزيرة عبر «ممر نبتون»، وهو مضيق بحري ضيق تحيط به الصخور المغمورة وتواجهه تيارات مائية قوية تجعل الملاحة فيه اختباراً حقيقياً لمهارة القادة البحريين.وبمجرد اجتياز هذا الممر الخطر، تتغير الطبيعة بشكل مفاجئ، حيث يستقبل تصبح المياه هادئة داخل «ميناء فوستر»، وهو فوهة بركانية غارقة تُصنف كأحد آمن الموانئ الطبيعية في القارة القطبيّة الجنوبية.على طول ساحل «خليج ويلرز» ذي الرمال البركانية السوداء، تستقر الخزانات الصدئة والغلايات الحديدية الضخمة والمباني المتداعية، وفي مشهد طبيعي فريد، تتعايش الآلات الصناعية المهجورة مع الحرارة الأرضية المنبعثة من أسفل الشاطئ البركاني، حيث يتصاعد البخار من بين الثلوج والجليد ليذكر الزائرين بوجود بركان نشط يعمل تحت أقدامهم.محطة «هيكتور» وحقبة صيد الحيتانيرتبط التاريخ الصناعي لخليج ويلرز بتأسيس «محطة هيكتور لصيد الحيتان» عام 1912 على يد شركة "أكتيسيلسكابيت هيكتور" النرويجية، كانت هذه المحطة بمثابة المشروع التجاري البري الناجح الوحيد في تاريخ القارة بأكملها، وظلت تعمل بكثافة حتى إغلاقها عام 1931.خلال تلك العقود، تحول الميناء من مجرد مرسى للسفن المصنعية العائمة إلى مجمع صناعي متكامل يضم وحدات لمعالجة لحوم وشحوم الحيتان، ومباني تخزين ضخمة، وخزانات صلبة لتخمير وتجميع الزيوت. ورغم أن صيد الحيتان التجاري قد توقف منذ زمن بعيد، إلا أن بقايا هذه المحطة لا تزال قائمة كشاهد على حجم تلك الصناعة وجسارة من عملوا بها في أقصى ظروف الكرة الأرضية.قاعدة سرية ومقبرة تحت الرمادلم ينتهِ دور الجزيرة بإغلاق محطة صيد الحيتان، فخلال الحرب العالمية الثانية وتحديداً في صيف (1943–1944)، أنشأت المملكة المتحدة قاعدة عسكرية سرية عُرفت باسم «القاعدة B» كجزء من «عملية تابارين».أصبحت هذه القاعدة فيما بعد واحدة من أوائل المحطات العلمية الدائمة في القارة، وساهمت في تأسيس هيئة المسح البريطانية لأنتاركتيكا.وعلى مسافة غير بعيدة، أُقيمت مقبرة احتوت بحلول عام 1969 على 35 قبراً لنشطاء وسائقي السفن وصائدي الحيتان، بالإضافة إلى نصب تذكاري لعشرة رجال مفقودين في أعماق البحر، غير أن البركان المتربص بالجزيرة أرسل ثورات متتالية بين عامي 1967 و1970، أدت تدفقات الطين والرماد البركاني خلالها إلى دمار أجزاء كبيرة من القاعدة البريطانية والمحطة النرويجية، فضلاً عن دفن وجرف معظم معالم المقبرة.اليوم فقط، يتصاعد الرمز الإنساني هناك في صليب خشبي أُعيد غرسه ويعود لصائد الحيتان النرويجي "بيدر كنابستاد"، ليكون الشاهد الوحيد المحتفظ باسمه وسط الأنقاض.طبيعة متجددة وحياة برية ثريةرغم المخاطر الجيولوجية المحدقة والدمار الذي لحق بالآثار البشرية، تصنف السلطات البيئية مستوى الإنذار البركاني حالياً باللون الأخضر. وتُستغل الطاقة الحرارية الأرضية التي تطلقها أحشاء البركان في إثراء البيئة الطبيعية؛ إذ تسمح الحرارة بانحسار الجليد عن أجزاء من التربة البركانية، مما هيأ ظروفاً مثالية لنمو الأشنات والطحالب النادرة.تضم الجزيرة أيضاً مستعمرات هائلة للحياة البرية، وأبرزها مستعمرة طيور «البطريق ذات الذقن السوداء» في منطقة "بيلي هيد"، والتي تحتضن عشرات الآلاف من أزواج التكاثر، مما يجعل الجزيرة مقصداً فريداً للرحلات السياحية والاستكشافية العلمية في القطب الجنوبي.تظل «جزيرة ديسبشن» نموذجاً حياً للتقاطعات التاريخية بين الطموح الصناعي البشري، والنزاعات العسكرية، وقوة الطبيعة البركانية غير المروضة التي تُعيد تشكيل ما يتركه الإنسان مراراً وتكراراً.بين ثلوج أنتاركتيكا وأحشاء البركان.. حكاية أغرب جزيرة على وجه الأرض
مدار الساعة ـ











